من صيدا، في الجنوب اللبناني، ولدت في عام 1975 باغتيال النائب الصيداوي معروف سعد، أولى المسببات الدموية لحرب أهلية اكتوى بنارها اللبنانيون طوال 15 سنة، وفيها سقط منهم ومن غيرهم أكثر من ربع مليون قتيل. وتعود مدينة صيدا هذه الأيام لتعيش مناخات مشابهة تقريباً، فأمس الاول نامت المدينة على أزيز الرصاص والقذائف الصاروخية والراجمات، واستيقظت صباح الاثنين على مثلها وأكثر، والقتال بلغ أشده بين الجيش من جهة وبين أنصار إمام "مسجد بلال بن رباح" الشيخ أحمد الأسير، المولود قبل 45 سنة بالمدينة لأم شيعية وأب تخرج في "ستوديو الفن" ليحترف الغناء بالمطاعم والحفلات.
نشأ الشيخ احمد الأسير في "بيت فني، لم يكن فيه مكان للدين"، فوالده محمد كان عازف عود ودربكة، وتخرج في برنامج شبيه تقريباً ببرنامج المواهب "أراب آيدول" الشهير، وهو "ستوديو الفن" الذي بدأ في 1972 على شاشة "تلفزيون لبنان" الرسمي، ثم انتقل إلى قناة LBC وتوقف في 2001 ليعود ثانية بحلة جديدة عبر محطة "إم تي في" اللبنانية.
من باب الفن نسجت خيوط المصادفة علاقة بين المطرب اللبناني فضل شاكر، الأصغر من أحمد الأسير بعام واحد، وعن تلك العلاقة قال الشيخ أحمد: "شاكر صديق الوالد، وكان يشارك معه في حفلاته، ومعرفتي به ليست معرفة قديمة، بل نشأت بسبب تردده على مسجد بلال بن رباح بعد تقديمي واجب العزاء له بوفاة والدته".
والدة الأسير من عائلة حاجو، وهي من مدينة صور جنوبي صيدا، وهو لا يخفي تعلقه وارتباطه بأخواله وأولادهم الذين أمضى طفولته بينهم، لكنه تنبّه ذات مرة وقال: "خالاتي متزوجات من رجال سُنَّة، وامي لوحيدة التي تزوجت شيعياً هو من صيدا". وللأسير شقيق واحد أصغر منه سنا اسمه أمجد، وكان عازفاً أيضاً مع والده في الحفلات، ثم تغيّر بعد تدينه وأصبح اليوم مسؤولاً عن ميليشيا مسلحة أسسها أخوه الذي يمضي معظم وقته في المسجد الواقع بمنطقة عبرا، التي تبعد كيلومترين من صيدا. كما ان للأسير 3 شقيقات: نهاد ووسيلة ونغم.
ويذكر ان الشيخ أحمد ليس من عائلة الأسير أصلاً، الا أنه لقب لجده الذي وقع أسيراً في معركة مع الفرنسيين بمالطا، وعندما عاد إلى لبنان لقبوه بالأسير، حيث طغى اللقب على الاسم فأصبح هو العائلة، وكان قد تقدم الشيخ أحمد في 2005 بدعوى لدى محكمة الأحوال الشخصية في صيدا لإضافة اسم الحسيني فأصبح اسمه بحسب الحكم الذي ناله بعد عام، أحمد محمد هلال الأسير الحسيني، محققاً بالتغيير رغبته في الانتساب إلى "آل البيت" عن طريق الحسين بن علي بن أبي طالب.
ويقال على لسان مصدر غير مؤكد أن الأسير شاهد بعينيه في العام 1975 مسؤولاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، زمن وجودها المسلح في لبنان، "وهو يوجه الإهانات لوالدته ويضربها بالجنزير"، فوقف أمام المشهد عاجزاً عن فعل اي شيء سوى البكاء، لأنه كان طفلاً عمره 7 سنوات، وربما لهذا السبب ربما نشأ لديه كُره لأي معتمد على منظمته وحمايتها وسلاحها ليعتدي على الناس.
تلقى أحمد الاسير تعليمه الابتدائي في "مدرسة ألكسندرا" التي كانت تديرها الراهبات في صيدا، ومنها انتقل إلى النقيض تماماً، فأكمل دراسته العليا بكلية الشريعة في جامعة بيروت الإسلامية، ونال شهادة الدبلوم في الفقه المقارن، ثم بدأ يعد لنيل الماجستير، لكن انشغاله في المجال الدعوي حال دون تحقيق حلمه بإكمالها.
لكن أكثر ما أحدث تغييراً في شخصية احمد الأسير هو الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لأنه شكّل "نقطة تحول" في حياته وجعله يبتعد عن اجواء الفن في بيته، وبدأ يفكر بعد الاجتياح وحرب شرق صيدا وسقوط العديد من القتلى، بالحياة والموت، من خلال التعرف إلى الأديان، فعانى من أهله الذين رفضوا الفكرة "ليس لأنهم ضد الدين، بل لأنهم كانوا خائفين من كل شيء اسمه أحزاب".
بعد ذلك التزم الأسير دينياً وبعد أشهر قليلة التحق بـ"الجماعة الإسلامية" وأمضى 4 سنوات في صفوفها، قبل أن ينضم إلى "الدعوة والتبليغ" وهي مجموعة غير حزبية تقوم بجولات للدعوة في الداخل والخارج "دون ان تتدخل في السياسة".
واقترن الأسير وهو في العشرينيات من عمره بزوجته الأولى، فأنجبت له محمد وعبد الرحمن وعمر، ثم تزوج بثانية من دون أن يُرزق بولد منها للآن. كان الأسير من المعجبين بجمال عبد الناصر، وهو هاوٍ كبير للعبة تنس الطاولة المعروفة باسم "بينغ بونغ"، لكن نشاطه في الدعوة والتبليغ جعله لا يجد الوقت لممارستها، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
عمل احمد الأسير منذ صغره، بإصلاح الإلكترونيات، وبعد زواجه فتح محلاً خاصاً به بالمهنة نفسها، ولأن رحلة دعوية قام بها إلى باكستان احتاجت الى تمويل، فقد باع المحل، ومعه باع سيارته ومصاغ زوجته، ثم عاد إلى لبنان بادئاً حياته من الصفر فاشتغل كعامل بورش البناء، لكنه لم يصبر كثيراً على عمله الجديد، فراح يتنقل من عمل إلى آخر بلا ثبات.
عمل في معمل للحديد، وبعده فتح فرناً للمناقيش بالزعتر، ثم أقفله واشترى سيارة "فان" كان ينقل بها الخضار والفاكهة من صيدا إلى بيروت، ثم تاجر بالسيارات، وبعدها بالدراجات النارية، ثم عاد وفتح فرناً من جديد مع شركاء، فتضاربت المصالح وفضّوا الشركة، إلى أن استقرت به الحال على محل للهواتف النقالة يديره حالياً أحد أبنائه، إضافة إلى متجر للمواد الغذائية والخضار يديره شريكه.
معروف عن الشيخ احمد الاسير انه كاره للمدن وضجيجها، ويميل للعيش في الأرياف، أي كما كانت حياته في حارة صيدا وهو طفل صغير. لكن الحياة اضطرته للتنقل، فاستقر في بيت بمنطقة عبرا جعله قسمين: واحداً لزوجته الأولى والثاني للثانية، ثم تعرض لمضايقات أجبرته على تركه للعيش منذ 7 سنوات في قرية معظم سكانها مسيحيون، واسمها شواليق، وفيها بيته منزوٍ ومنعزل إلى درجة أن أقرب جارٍ له بعيد عنه 1500 متر تقريبا.









imagebank – AFP