زخر الزمان الجميل بإبداعات عمالقة الفن والغناء في العالم العربي، مقابل نجوم العالم الغربي فقدموا الكثير خلال مسيراتهم التي كانت في بعضها مليئة بالمطبات والعثرات. فمنهم من رحل عن هذه الدنيا تاركا وراءه فنّه فقط، وآخرون ما زالوا ينبضون عطاء الى يومنا الحالي. الكثير من جيل اليوم، نسي ابداعات، هؤلاء العمالقة، وتجاهلوا مسيرة حافلة بأعمال تركت بصمة قوية، وفي مقابل ذلك يستذكر آخرون عطاءات نجوم الأمس من خلال الاستمتاع بأعمالهم الغنائية أو التمثيلية، وقراءة كل ما يخصّ حياتهم الفنية أو الشخصية.
من بين مطربي الزمن الجميل كانت الفنانه الراحله أسمهان: فقد عُرفت فنياً باسم "أسمهان"، لكن اسمها الحقيقي هو آمال الأطرش، وهي الابنة الوحيدة التي كتب لها الحياة في أسرتها. والدها فهد الأطرش، درزي من جبل الدروز في سوريا، كان مدير ناحية في قضاء ديمرجي في تركيا، أما والدتها علياء المنذر فهي درزية لبنانية من بلدة شويت المتن، ولديها شقيقان هما: فؤاد وفريد الأطرش المطرب والموسيقار المعروف والذي كانت متفقة تماما معه وهو الذي أخذ بيدها إلى عالم الفن، وجعلها نجمة غناء لامعة.
إلى جانب شهيرات ذلك الوقت كانت كوكب الشرق أم كلثوم، نجاة علي، ليلى مراد وغيرهن. وقد كان لأسمهان شقيق ثالث يدعى أنور، وشقيقة تدعى وداد، وكلاهما توفيا صغيرين قبل استقرار الأسرة في مصر.
عائلة اسمهان، هي عائلة درزية كريمة، يعود نسبها إلى آل الأطرش بسوريا الذين كان فيهم رجال لعبوا دوراً بارزاً في الحياة السياسية في بلاد الشام، أبرزهم سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي.
ولدت أسمهان على متن باخرة كانت تقل العائلة من تركيا بعد خلاف وقع بين الوالد والسلطات التركية، وقد مرت العائلة اثناء عودتها من تركيا ببيروت، حيث بعض الأقرباء في حي السراسقة، ثم انتقلت إلى سوريا، وتحديداً إلى جبل الدروز بلد عائلة الأطرش، واستقرت الأسرة وعاشت حياة سعيدة، إلى أن توفي الأمير فهد عام 1924، فاضطرت والدتها الأميرة علياء على إثر نشوب "الثورة الدرزية" في جبل الدروز وانطلاق الثورة السورية الكبرى، إلى مغادرة بيتها جبل الدروز في سوريا والتوجه مع أولادها إلى مصر.
اسمهان مع شقيقها فريد الاطرش

ظهرت مواهب اسمهان الغنائية والفنية مبكرا، فقد كانت تغني في البيت وفي المدرسة مردّدة أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وشقيقها فريد. وفي أحد الأيام، استقبل فريد في بيته الملحن داود حسني، أحد كبار الموسيقيين في مصر، فسمع آمال (اسمهان) تغني في غرفتها فطلب إستدعاءها وطلب منها أن تغني، فغنت آمال فأعجب داود حسني بصوتها، ولما انتهت قال لها "كنت أتعهد تدريب فتاة تشبهك بجمالها وصوتها لكنها توفيت قبل أن تشتهر، لذلك أحب أن أدعوك باسمها أسمهان" وهكذا أصبح اسم آمال الفني أسمهان.
في سنة 1934 تزوجت اسمهان من الأمير حسن الأطرش وانتقلت معه مجددا إلى جبل الدروز في سوريا ليستقرا في قرية عرى مركز إمارة آل الأطرش لتمضي معه كأميرة للجبل مدة ست سنوات رزقت في خلالها ابنة وحيدة هي "كاميليا"، لكن حياتها في الجبل انتهت على خلاف مع زوجها، فعادت من سوريا إلى مصر، وقد عاد إليها الحنين إلى عالم الفن لتمارس الغناء ولتدخل ميدان التمثيل السينمائي.
اتهامها بالجاسوسية
أثيرت العديد من القصص والأقاويل حول تعاون اسمهان مع الاستخبارات البريطانية، وتقول إحدى الروايات أنه في مايو 1941 تم أول لقاء بينها مع أحد السياسيين البريطانيين العاملين في منطقة الشرق الأوسط، جرى خلال اللقاء الاتفاق على أن تساعد أسمهان بريطانيا والحلفاء في تحرير سوريا وفلسطين ولبنان من القوات الفرنسية وألمانيا النازية، وذلك عن طريق إقناع زعماء جبل الدروز بعدم التعرض لزحف الجيوش البريطانية والفرنسية بقيادة شارل ديغول.
وقد قامت أسمهان بمهمتها على اكمل وجه بعد أن أعادها البريطانيون إلى زوجها الأسبق الأمير حسن، فرجعت أميرة الجبل مرة أخرى، وهي تتمتع بمال وفير أغدقه عليها الإنجليز، وبهذا المال استطاعت أن تحيا مرة أخرى حياة الترف والبذخ، وتثبت مكانتها كسيدة لها شأنها في المجتمع ولم تقصّر في الوقت نفسه في مد يد المساعدة لطالبيها وحيث تدعو الحاجة.
لكن وضعها لم يستقر، فساءت احوالها مع زوجها الأمير حسن في الجبل بسوريا من جديد، كما أن الإنجليز تخلوا عنها وقطعوا عنها المال بعد تأكدهم من أنها بدأت تعمل لمصلحة فرنسا الديغولية، ويقال إنها بدأت ترفض طلباتهم حيث وجدت نفسها ستدخل سلسلة لا تنتهي من المهام، وارتأت أنها فنانة لا تريد أن توقع نفسها في هذا الشرك.
الجنرال إدوارد سبيرز، ممثل بريطانيا في لبنان، كان قد اعترف يومذاك بأنه يتعامل معها لقاء أموال وفيرة دفعت لها نظراً لخدماتها. وقال عنها إنها كانت كثيرة الكلام ومدمنة على الشرب، وأنه قطع كل علاقة معها، كذلك قال عنها صديقها الصحافي محمد التابعي إنها لم تكن تترك الكأس من يدها، وكانت تقول له إنها لا تحب أن ترى الكأس مليئاً أو فارغاً، كما كانت تدخن بشراهة.
نهاية أسمهان
عادت أسمهان للعمل في الغناء والسينما في مصر بالرغم من أن زواجها أحمد سالم لم يكن سعيداً بذلك، وفي الوقت الذي كانت تعمل فيه بفيلم "غرام وانتقام"، استأذنت من منتج الفيلم والممثل يوسف وهبي بالسفر إلى "رأس البر" لتمضية فترة من الراحة والنقاهة هناك فوافق على طلبها. فذهبت إلى "رأس البر" صباح يوم الجمعة 14 يوليو 1944 برفقة صديقتها ومديرة أعمالها ماري قلادة، وفي الطريق فقد السائق السيطرة على السيارة فانحرفت وسقطت في الترعة، حيث لقيت مع صديقتها حتفهما، أما السائق فلم يصب بأذى وبعد الحادثة اختفى. وبعد اختفائه ظل السؤال عمن يقف وراء موتها من دون جواب، لكن ظلت أصابع الاتهام موجهة الى الاستخبارات البريطانية اولا، وإلى زوجها الأول حسن الأطرش، الثالث أحمد سالم وإلى أم كلثوم وشقيقها فؤاد الأطرش.