"الشعبنة" كلمة تعود في نسبتها إلى شهر شعبان، ففي آخر إجازة أسبوعية في شهر شعبان؛ يتجمع الأهل والأصدقاء في السعودية ويخرجون في نزهات جماعية، ويلعبون ألعاباً شعبية، ويتسامر الشباب فيما بينهم احتفالاً بقدوم رمضان. وهي عادات اصيلة قديمة توارثها أهل الحجاز والمدينة المنورة منذ أكثر من 90 عاماً للاحتفال بنهاية شهر شعبان، وقدوم شهر رمضان الفضيل، فتقوم الأسر بالاحتفالات وإقامة الموائد للتقارب بين أفرادها.
وهناك من وصفها بوسيلة جيدة للتواصل الاجتماعي قبل أن ينتشر الفيس بوك وتويتر، إلا أنه وفي الوقت الحالي ظهرت بعض فئات من الشباب حرفوا تلك العادة الأصيلة.
.jpg)
عادة جميلة للترويح عن النفس
قال المهندس أحمد الدعيق لسبق: لا أشعر برمضان من دون شعبنة شعبان، مبدياً سعادته بهذه العادة الجميلة، وقال: "هي عادة جميلة، تجتمع فيها الأسر في نهاية شعبان وتودعه، للدخول في شهر الصوم"، موضحاً أن الغرض من الشعبنة نهاية المرح السنوي، والتوقف لشهر كامل من العبادة .
وعبّرت فاطمة محمد المشولي "بكالوريوس علم نفس" عن سعادتها بحلول شهر شعبان، وقالت: "أتذكر طفولتي وعبق الماضي الجميل في بيت أسرتي، فما زلت بعد زواجي أحرص على "الشعبنة السنوية" وأُقيم الولائم وأجتمع مع نساء العائلة، نتسامر ونلهو بكل براءة، بعيداً عما يخدش ديننا وعاداتنا" .
فيما عبّر أحد الشباب عن فرحته بعادة الشعبنة بقوله: "هذه عادة آبائي وأجدادي، وأرى أن الشعبنة فرصة للترويح عن النفس، أذهب مع أصدقائي في نزهة برية ونتسامر بالألعاب الشعبية، ونلهو ونرقص في يوم يغمرنا بالسعادة، ونتذكر معاً طفولتنا في رمضان". وقالت إحدى الفتيات:"أنتظر كل عام شهر شعبان لأجهز مع والدتي أغراض شهر رمضان، واشتري ملابس جديدة، وأجتمع مع بنات العائلة وصديقاتي، ونتسامر ونغني ونرقص، وتقيم أسرتي الولائم، وتجتمع عائلتي في مشهد رائع يدخل البهجة على نفوسنا".
.jpg)
البعض يستنكر الشعبنة
ومن جانب آخر أبدى أحد الشباب تعجبه من زميله الذي يقترض سنوياً ليسافر لإحدى الدول العربية، لـ"يشعبن" وقال: "زميلي يسافر كل عام في شعبان، ويرسل لنا صوره في أماكن مخالفة لعاداتنا وتقاليدنا"، رافضاً المظاهر الاجتماعية التي تجعل الشباب يخالفون العادات والتقاليد تحت مسمى "الشعبنة".
فيما استنكر أحد الآباء مفهوم بعض الشباب للشعبنة، وقال: "للأسف بعض الشباب يتخذ الشعبنة ذريعة لارتكاب المعاصي، لأنه يرى من وجهة نظره أنها ترفيه، وأن شهر رمضان سوف يمحو ذنوبه الماضية". وعبّر أحد الأجداد عن أسفه لاختفاء مظاهر الشعبنة الحقيقية، وقال: "أصبحت الشعبنة اسماً فقط، واختفى المضمون الحقيقي منه، في تجمع العائلات والتواصل الاجتماعي ، وما زلت أنا وبعض أصدقائي نحافظ على هذه العادة السنوية الجميلة التي تقوي الأواصر الاجتماعية" .
اختفاء مضمون الشعبنة
أوضح الكاتب محمد السحيمي أن الشعبنة تصادف قبل شهر رمضان، وأن "الناس في الحجاز كانوا يمارسون الشعبنة للقاء الأحبة أو لوداعهم لمن ينوي الحج." مشيراً إلى أن شهر شعبان كان توديعاً لأكل اللحوم والموائد الدسمة، حيث رمضان قديماً كان يخلو من تناول اللحوم. وأبدى أسفه لاختفاء مضمون "الشعبنة"، وقال:"ظلت الشعبنة اسماً فقط واختفت القيم الاجتماعية الأصيلة التي كانت تميزها". وأطلق السحيمي عليها "بدعة"، وقال: "بعض الشباب للأسف لم يعايش المضمون الاجتماعي لها، وشوه هذه العادة الاجتماعية الجميلة بممارسات خاطئة في سفره إلى الخارج، وممارسة بعض السلوكيات المكبوتة التي لا يستطيع ممارستها داخلياً".
.jpg)
عبادات توقيفية لا اصل لها
أما رئيس قسم الدراسات المدنية في كلية الملك فهد الأمنية في الرياض وعضو بمجمع الفقه بجدة الدكتور"محمد النجيمي"، فرأى أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان لا أصل له، حيث وردت أحاديث ضعيفة في فضل نصف شعبان، إلا أنها ضعيفة ولا يصح الاحتجاج بها، وقال: "أي شيء غير فضل الصيام في شعبان يعد بدعة، فقد كان الرسول عليه أفضل السلام يكثر من الصيام في شهر شعبان، وغير ذلك فهو مخالف لسنة الرسول عليه السلام".
وعن الشباب الذين فهموا أن "الشعبنة" هي اللهو والترفيه في شعبان وقبل شهر رمضان الفضيل، فقال: "من يرتكب محظورات فتأخذ حكم التصريح بالمعصية وهذا عقابه شديد" ناصحاً الجميع أن يتقوا ويمتثلوا لأمر الله ورسوله، وختم حديثه بتأكيد الحديث الشريف "ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" .
ترفيه مباح
وحول الرأي الشرعي لظاهرة "الشعبنة" أكّد عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي الدكتور حسن بن محمد سفر، عدم وجود نص شرعي يُحرّم ترفيه الإنسان المباح عن نفسه، انطلاقاً من قول الرسول"روّحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت"، وقال: "الأصل أن يكون الترفيه بريئاً وليس سيئاً ، فإذا خرج عن الإطار الشرعي أصبح محرّماً".
.jpg)
وقال: "هناك ضوابط شرعية للفسحة والمرح، في حدود ما سماه علماء الشريعة بـ" الآداب الشرعية " وهي سلوك الإنسان وفق ما حدده الشرع الحكيم، وليس ما حرمه، موضحاً أن المسلم حريصٌ على استثمار وقته فيما يفيد دينه، وقال: "إذا كانت الزيارات العائلية وفقاً للآداب الإسلامية، وكان اللهو بريئاً، فهذا فيه أجري الدنيا والآخرة.
ظواهر سلبية
بينما انتقد الظواهر السلبية في الشعبنة، كالبذخ في إقامة الولائم، واللهو غير المباح، وسفر الرجل إلى الخارج بمفرده وتركه لأهله، مشدداً على أن هذا منهي عنه شرعاً، وتساءل: "لماذا لا تكون الشعبنة في إطار الشريعة الإسلامية؟" داعياً الأسر لاستغلال الشعبنة في تذكر فضائل شهر رمضان، واستعراض السيرة النبوية، وكيفية مرح النبي ومزاحه، معتبراً هذه حوافز للنفس للتمسك بالخلق القويم في رمضان. وطالب ابن سفر أئمة المساجد بتوعية الناس، أن شعبان فرصة لتهيئة واستعداد النفس للطاعة في شهر رمضان، وليس مظاهر بذخ وضياع للأموال والأهل، مؤكّداً أن شهر رمضان يستلزم استعداداً جسمياً وروحياً؛ حتى نتأهل لما يرضي الله في الشهر الفضيل.