أم علي النصراوية لم تقدم أبناءها الثلاثة قرابين للحرية وانتصار الثورة فقط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتبنيها لكل الفدائيين، وصارت أما لهم جميعا وعلى الأخص من كانت عائلاتهم خارج لبنان. ترعرعت شمسة طه (أم علي) في مدينة الناصرة، وهي أم لشهيدين.. وام لعشرات الشهداء الذين كانوا ينادونها بلقب "ام الشهداء" وكانت هي تناديهم يا ابني".. هاجرت إلى لبنان عام 1948، وحملت معها في هجرتها صورة وطن طالما تمنت لأبنائها العودة إليه، ودفعتهم للنضال وصارت أمامهم.. وبعد استشهاد أبنائها أضحت أما لكل الشهداء الذين اعتادوا مناداتها "يما" (أمي) وكانت ترد عليهم "يا بنيي".
أم علي الفتحاوية الانتماء ألهمت الشاعر عز الدين المناصرة وعنها كتب رائعته "كيف رقصت أم على النصراوية" وفيها يقول "هيه... ليش يا أم علي ليش.. ما تغنينا؟" وفيها يصف رقص قيادتها للمظاهرات ورقصها بالكلاشنكوف في جنازات الشهداء. هناك مشهد متكرر في مخيم شاتيلا حيث تدخل مجموعة من رجال المكتب الثاني اللبناني (المخابرات العسكرية) تضرب وتعتقل وتفتش وترهب ثم تنتقي بعض الرجال لتهنيهم علنا أمام سكان المخيم، ثم يأتون بأم علي النصرواية ويعلقونها في "فلكه" ويتناوبون على ضرب قدميها.

أم علي النصراوية
وتقول أم علي: "كنت أخاف فخادي تظهر لهذا كنت البس بنطلون بيجامة ابني علي، ولمّا كان يشتد ضربهم كنت أسبهم وأهتف لفلسطين".. لقد التحقت أم علي بحركة فتح وبدأت تقود المظاهرات وترقص بالكلاشنكوف في جنازات الشهداء وترافق المجموعات الذاهبة إلى التدريب لتطبخ لهم الطعام وترعى نومهم في الليل. كان بعض المقاتلين يسألونها "وين أبو علي يمه" فترد قائلة: ما زال عضو في حلقة.. ولسّاته ما وصل حتى عضو شعبة.. ثم تضحك.. بعد استشهاد ابنها الأول أصبح همها نقل الشهداء والجرحى من مواقع اصاباتهم، تركب عربة الإسعاف بجوار السائق تقرأ آيات القرآن، وعندما استشهد ابنها الثاني تبنت مقاتلا من اصدقائه، فلما استشهد أعطت وقتها للجرحى والشهداء.

أم علي مع قادة حركة فتح عام 1981
كان أبو عمار وكل القيادات الفلسطينية يرون في أم علي أصالة الروح النضالية، ويعتزون بالتفاف امثالها حول حركة فتح كقائدة للنضال الوطني الفلسطيني كانوا يعتبرون أم علي طودا شامخا ورمزا رائعا لصمود وبسالة المرأة الفلسطينية، وعندما توجهت برفقة أبو عمار إلى بيتها لتعزيتها باستشهاد ابنها الثاني كان أبو عمار طوال الطريق يشعر بالحرج الشديد ولا يدري ماذا سيقول لها ولذلك سألني: يا أبو الطيب والله لا اعرف ماذا سأقول لام علي.. أنا محتار.. وعندما وصلنا ووقفت أم علي أمامه انهار وبدأ يبكي بحرقة.. فقالت أم علي بتبكي يمه.. اللي بدو يبكي لا ييجي لعندي!! وبعد أداء واجب العزاء وأثناء طريق العودة قال لي أبو عمار: هذا هو شعبنا الفلسطيني دائما متقدم على قيادته.. ومع بداية الغزو انشغلت أم علي النصراوية في جمع أشلاء وجثث الشهداء من بين أنقاض المدينة الرياضية، ثم تغيبت عن الأنظار حتى ظن الجميع أنها استشهدت، فحزن عليها الجميع، لكنها غادرت إلى دمشق بعد اشتداد القصف على بيروت وعادت إليها بعد انتهاء الحرب رافضة الالتحاق بصفوف الثورة في المنافي لرغبتها بأن تدفن إلى جانب أبنائها.

