بعض الثائرين في "انتفاضة السكاكين" الشغالة ليل نهار على المحتل الإسرائيلي، مضوا باكراً صباح أمس الجمعة إلى "مقام يوسف" في بلدة "بلاطة" القريبة كيلومتر واحد من نابلس بالضفة الغربية، فاقتحموه ملثمين وأضرموا فيه ناراً أحرقت منه أجزاء كبيرة، ثم رفعوا على سطحه علم فلسطين، في مشهد عمت أخباره وصوره العالم عبر الوكالات، ووجدت طريقها سريعاً إلى مواقع التواصل، مجددة شكوكاً تاريخية قديمة، ملخصها سؤال لا جواب شافياً عنه للآن: من المدفون في القبر داخل "المقام" المقدس لليهود، عظام النبي يوسف أم رفات يوسف آخر؟
قصة النبي يوسف، معروفة في التوراة، مع اختلاف عنها قليل ومهم في القرآن، وهو ابن يعقوب الذي سمى نفسه فيما بعد إسرائيل، حفيد "أبو الأنبياء" إبراهيم من ابنه إسحاق، وقضى يوسف نحبه في مصر التي أحضرت عظامه منها "بناء على وصيته" ودفنت في ما أصبح اسمه "قبر يوسف" لليهود، ومقاماً مقدساً لهم يزورونه منذ احتلت إسرائيل في 1967 الضفة الغربية، وتقتحمه قواتها أسبوعياً تقريباً لتأمين دخول الآلاف منهم، خصوصاً المستوطنين الراغبين بتأدية طقوس توراتية فيه، من لوم للنفس على ما حدث ليوسف من إخوته، مع أدعية وتأملات.
يوسف الفلسطيني من "بلاطة" مدفون في القبر
لكن علماء آثار فلسطينيين ينفون هذا الزعم اليهودي بالكامل، ويقولون إن عمر القبر لا يتجاوز بضعة قرون، وإنه ضريح لشيخ مسلم اسمه يوسف دويكات، وأقيم بناء مزاره على الطراز الإسلامي زمن العهد العثماني، وله صورة في 1900 وهي من محفوظات مكتبة الكونغرس الأميركي، وهي لجندي عثماني يقف أمام القبر المغطى بكسوة ممهورة بما لا ندري إذا كان آيات قرآنية، أو عبارات تدل على هوية صاحب القبر الشهير، إلا أنها بالتركية القديمة وبالعربية، بلا كلمة عبرية.

القبر من الداخل والمقام من الخارج، وكما كان قديما، ثم صورة الجندي العثماني يحرسه
وأكثر ما يشير إلى أن "المقام" بناه العثمانيون، وجود لوحة اسمها "قبر يوسف في شكيم" وهو الاسم القديم لنابلس، رسمها في 1839 الاسكتلندي ديفيد روبرتس، ولا يظهر فيها بناء، سوى قبر وحده بالعراء، إلا أن اللوحة دليل أيضاً بشهرته لليهود كقبر للنبي يوسف، وإلا لما قام برسمه، خصوصاً أن روبرتس المتوفى في 1864 بنوبة قلبية داهمته وهو يسير في شارع بلندن، زار مصر وفلسطين والأردن ولبنان، فرسم الأهرامات وخليج العقبة وهياكل بعلبك، واختار اسم Tomb of Joseph at Shechem لما رسمته ريشته من فلسطين.
أما من الأكيد عن المقام، فأهمه أن القبر في داخله كان بسيطاً بقبة من فوقه، فبنى العثمانيون أسواراً حوله، أضافوا إليها في 1927 بعض الغرف، وقامت دائرة الأوقاف في نابلس بتعيين موظف يحرسه كتراثي إسلامي، ثم راحوا يستخدمونه كمدرسة للأهالي، في وقت كان اليهود يزورونه كسياح، ثم تحولت السياحة إلى ما أصبح بعد احتلال إسرائيل في 1967 للضفة الغربية، زيارات مكثفة مزعجة للفلسطينيين، إلى درجة أنها أدت بأكتوبر 2000 إلى مقتلة سقط فيها 6 فلسطينيين وجندي إسرائيلي، بمواجهات وقعت قرب القبر، وبعدها وافق جيش الاحتلال على الانسحاب، ونقل السيطرة عليه للسلطة الفلسطينية لتديره.

وبعد الحريق ارتفع العلم الفلسطيني فوق قبة المقام
"بلاطة مكتوب عليها بالآرامية"
كما نقرأ في تقرير تاريخه 24 أكتوبر 2003 بالعدد 413 من صحيفة "الوسط" البحرينية، تأكيدات لمحامٍ فلسطيني اسمه عبدالفتاح فياض، وهو من سكان نابلس وكان عمره 65 ذلك العام، بأنه يملك وثيقة عثمانية "تؤكد أن عائلة الشيخ فيض الله (فياض) هو حامل مفاتيح المقام من السلطان عبدالحميد" وممهورة بخاتم السلطان، المخوّل للشيخ وعائلته من بعده مسؤولية إدارة المقام "وهي من سبعة أسطر باللغة التركية القديمة، لكن بأحرف عربية، ولدى بلدية نابلس نسخة عنها" كما قال.

