لا يختلف اثنان حول المأساة الإنسانية الكبرى التي خلفتها الحرب السورية، وخصوصاً ممارسات التجويع والحصار التي باتت تعتمد كتكتيك بهدف تحقيق مكاسب ميدانية، فمن بلدة مضايا وبقين، إلى الزبداني وكفريا والفوعة ونبل والزهراء واليرموك، وقبلهم جميعاً حلب وإدلب والرقة.. المأساة واحدة، لكن أن يتم استغلال صورة طفلة أسرت العالم بجمالها، تارةً على أنها نازحة سورية في عمان وتارةً أخرى بأنها ضحية حصار التجويع في مضايا، ولا أحد يعلم في أي أزمة ستُزج بها مستقبلاً، فهذا أمر غير مبرر وغير مقبول انسانياً وأخلاقياً ومهنياً، ثم إنه يضع مستقبل الطفلة على المحك.
"مريانا مازح"، إبنة يوسف مازح، طفلة لبنانية حسناء بعينين خضراوين وجمّال أخاذ، تحولت، بفضل الإعلام غير المسؤول، إلى هيكل عظمي في بلدة مضايا السورية المحاصرة، وانتشرت صورتها بإسم وقضية لا تمت لها بصلة بعنوان "ملاك سورية تحولت إلى شبح بعد الجوع والعراء"، وكانت "تحولت" أيضاً في العام الماضي إلى نازحة سورية تبيع "العلكة" في شوارع عمان بعنوان "موناليزا سورية"، بينما حقيقة الامر أنها طفلة لبنانية جنوبية تدعى مريانا مازح من بلدة طيرفلسيه في قضاء صور، وهذا يطرح سؤالاً مهماً عن الجهة التي استغلت الصورة، وكيفية حصول ذلك، ولأي سبب؟
قريب من العائلة أكد لـ"لبنان 24" أن "استغلال صورة الفتاة ليست الاولى، وقد صدم أهلها حين شاهدوا صورة ابنتهم على موقع "فيسبوك" وهي تستغل بأشع الطرق، والأفظع أن بعض الجهات على صفحات المعارضة السورية وبعض الهيئات الدينية تقوم بجمع الملايين من خلال صورتها تحت عنوان "أغيثوا أهلنا في مضايا"! ويؤكد المصدر القريب من العائلة أن "أهل الفتاة مستاؤون جداً من إعادة استغلال صورة طفلتهم للمرة الثانية، ويطالبون وسائل الإعلام بوقف هذه المهزلة، فإبنتهم لا دخل لها بأزمة سوريا ولا بأزمات أخرى، ولا علاقة لها لا في مضايا ولا في بيع العلكة، وهي موجودة في بلدة طيرفلسيه مع اخوتها وبصحة جيدة، محملين المسؤولية لكل انسان يتداول أو يستخدم صورة ابنتهم تحت طائلة الملاحقة القانونية".

مريانا مازح"، إبنة يوسف مازح طفلة لبنانية
بدورها، تؤكد خالة الطفلة لـ "لبنان 24" أن "صورة مريانا تُستغل منذ ثلاث سنوات، وفي كل مرة نراها تُزج في أزمة تلو الأخرى"، مشددةً على أننا "في كل مرة نحاول أن نكشف عن حقيقة كيف بدأ استغلال هذه الصور، ومن أين حصل عليها هؤلاء، لكننا لم نستطع حتى الآن". وعن استغلال صورة الطفلة لجمع الأموال من قبل بعض الجهات، قالت الخالة: "لا نريد أن ندخل في دعاوى قضائية لأن القصة الحقيقية تكشفت، لذا لا داعي لذلك"، مشيرةً إلى أن "بعض القنوات الإخبارية تواصلت مع أهل الفتاة لكنهم رفضوا أن يجروا أي مقابلة تلفزيونية حتى لا يزيدوا من إرباك ابنتهم". للأزمة السورية عشرات، وربما مئات الوجوه، لكن من ينصف أطفال سوريا، من الظلم اللاحق بهم، ومن تعسف بعض وسائل الإعلام التي تنشر كل ما تجده مادة دسمة بغض النظر عن التدقيق في محتواها، ومصادرها، ومن ينصفهم من كثير من الجمعيات "الخيرية" التي تنشط في مثل هذه الحالات لجمع الأموال عبر "الشحادة" باسم صون الطفولة، ومن ينصفهم من الأهوال والمناكفات والمزايدات السياسية على حساب هذا ضد ذاك؟


