مسلسلات رمضان
مارية القبطية زوجة النبي: لماذا ظلمتها كتب السيرة؟
24/06/2016

حين تقرأ سيرة حياة زوجة النبي، السيدة "مارية القبطية"، لا بد ان تشعر بما تعرضت له من ظلم وتجاهل في كتب التاريخ والتراث والسيرة. مارية القبطية هي السيدة التي تعمدت كتب التراث والسيرة أن تتجاهلها وتسقطها من قائمة "زوجات النبي" رغم سيرة حياتها والتي تدعو للتأمل في سر انتقالها من أقاصي صعيد مصر في المنيا، لتنضم إلى نساء النبي، وتكون أم أعز أولاده "إبراهيم" حين كان النبي شيخا في الستين من عمره.

لم يحاول شيوخ السلف وأصحاب الآراء المتشددة فيما يتعلق بآل البيت وزوجات النبي على وجه التحديد، لم يحاول أحدهم أن يتتبع مسيرة الخطوات التي لم تقطعها "مارية القبطية " بإرادتها الحرة، أو سلسلة الاختيارات التي لم تقطعها هي، بل فرضت عليها فرضاً، بداية من انتقالها من منزل والديها وهما من أعيان مصر آنذالك إلى قصر المقوقس حاكم مصر كسبايا هي واختها سيرين ليتحولا إلى سبايا داخل قصر الحاكم على أثر ظروف سياسية صعبة، ولم تتول مسئولية الاختيار أيضاً عندما قرر "المقوقس" إرسالها وأختها للنبي محمد رداً على رسالته التي بعثها للحاكم مطالباً بدخوله في الإسلام، فما كان من ملك مصر سوى تسوية الأمر بشكل ديبلوماسي وكسب ود "محمد" والحفاظ على منصبه المهدد بالفعل لما يدور بالدولة البيزنطية وقتها من أحداث ضارية، وكانت "مارية القبطية" في هذا الوقت هي الهدية التي وضعت حلاً وسطاً لكل ما سبق من أحداث وظروف.

مارية القبطية زوجة النبي: لماذا ظلمتها كتب السيرة؟ صورة رقم 1

تعمدت كتب التراث والسيرة أن تتجاهلها وتسقطها من قائمة "زوجات النبي"

دخلت دار الرسول "عليه الصلاة والسلام" وهو الرجل الستيني صاحب الزوجات الأخريات، نبي ذاع صيته وصيت ما يدعو له من دين في شتى بقاع الأرض، ووصلت مراسيله ودعوته لعبادة الله لملوك مصر والحبشة والروم وبلاد فارس، لديه من الزوجات ما يكفيه، ولكنه اختارها، وكانت جميلة بما يكفى لإثارة حنق عائشة "عليها السلام" وغيرتها الشديدة، وقالت فيها عائشة: "ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة -أو دعجة- فأعجب بها رسول الله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيتٍ لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا".

مارية القبطية زوجة النبي: لماذا ظلمتها كتب السيرة؟ صورة رقم 2

لم يحاول أحدهم أن يتتبع مسيرة الخطوات التي لم تقطعها "مارية القبطية "

أي أنها كانت من المقربين لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، يحب قضاء الليل والنهار بجوارها، وكانت جميلة كما أكدت كتب التاريخ، وأثارت غيرة باقي زوجاته، حتى بعد أن قرر النبي نقلها إلى "العالية" وهو مكان آخر انفردت به بعيداً عن باقي زوجاته، ولكنها بعد كل هذا التقدير الذي ذكر عنها لم تكن من زوجاته، فهي في كتب التراث والسيرة ليست زوجة النبي، بل ويفتي المشايخ في الحديث عنها بأنها ليست أم المؤمنين، ولا يحق أن توصف بهذا الوصف مثل باقي زوجاته، على الرغم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أعتق كل ما امتلك من جوارِ، وكان "عليه الصلاة والسلام" هو محرر العبيد الأول في تاريخ البشرية، وأكبر الداعين في الأرض للتخلص من الرق والعبيد، وتحول عتق الرقاب إلى واحد من مكفرات الذنوب لتشجيع المجتمع الذي لم يكن يعترف وقتها بالحياة بدون خدم يورثهم صاحبهم لأهل بيته، على أن يعتق هذا المجتمع القاسي الرقاب بأمر إلهي صارم، وأن يتخلص من مفهوم العبودية، فكيف يعقل أن تبقى مارية القبطية التي عاشرت الرسول وأنجبت له "إبراهيم"، أن تبقى أمة وهي الشريفة الحرة التي كانت تمتلك خادماً خاصاً بها ؟!

مارية القبطية زوجة النبي: لماذا ظلمتها كتب السيرة؟ صورة رقم 3

اختارها من أقصى صعيد مصر التي تبعد أميال طويلة عن موطن النبي لتجاوره

السؤال الأكثر صعوبة وقسوة لمن ارتاح لوضعها بهذه الصورة في كتب التاريخ، ومن اكتفى بوصفها مما ملكت أيمان النبي على الرغم من كون هذه المكانة، منزلة شرفية اختارها لها الله لتكون واحدة من أمهات نسل النبي، وواحدة من نساؤه المقربات، ولكنها كانت تستحق ما يفوق هذا الوصف، تستحق ما يعطها حقها في كونها واحدة من أهم نساء النبي وأعلاهن مكانة عند الله عز وجل، اختارها من أقصى صعيد مصر التي تبعد أميال طويلة عن موطن النبي لتجاوره، وتحمل بمولود له، وتبقى سيرتها وسط نساؤه حاضرة وقوية ولا ينكرها أحد، فهي من أحب الرسول لأجلها أهل مصر، وقال النبي عليه الصلاة والسلام وقت أن فتح مصر "أحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة وصهراً".. فسلاماً على "مارية" من اختارها الله رسول من مصر لبيت النبي وآل بيت محمد "عليه الصلاة والسلام". بتصرف عن اليوم.