غسان كنفاني، المناضل الذي أرهقه احتلال بلاده، فناضل من أجل الحرية بقلمه، سلاحه الذي لا يعرف سواه، عروبة فلسطين التي تسري في وجدانه، دفع روحه ثمنها، ووقع شهيدًا من بين آلاف الفلسطينيين، الذين وقعوا منذ بداية الاحتلال وحتى الآن.. إنه غسان كنفاني: الروائي والصحفي والقاص، الذي ما زال بقيًا، يُردد اسمه كلما ذكرت القضية الفلسطينية.
أجبر وعائلته على النزوح من الأراضي المقدسة، فكانت بيروت المكان الأرحب لقلب الصحفي الهمام، حيث وجد فرصته للقاء التيارات الأدبية والفكرية والسياسية، وبدأ عمله في مجلة الحرية، وكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية، ولفتت مقالاته الأنظار إليه كصحفي ومفكر. دلال أشجار الأرز وطبيعة لبنان الخلابة ألهبت في قلبه نيران الحب، فتزوّج في حضرة الطبيعة بعدما ألهمت زوجته بحماسه وثورته وغيرته على أرضه، التي يتغنى بحبها ويحارب من أجل استقلالها، وهو على بعد أميال عنها ومحروم من الولوج داخل أرضها.

بدأ عمله في مجلة الحرية وكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية ولفتت مقالاته الأنظار إليه كصحفي ومفكر
كانت آني هوفر زوجة كنفاني تبحث في القضية الفلسطينية، فأرسلها أحدهم لتنهل من الصحفي الفلسطيني الذي يسكن بلاد الأرز، وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة، وزار معها المخيمات، وكانت هي شديدة التأثر بحماس غسان للقضية، وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب، ولم تمض على ذلك عشرة أيام إلا وكان غسان يطلب يدها للزواج، وما كان بها إلا أن سلّمت للثائر الفلسطيني.

العمل الفدائي ومحاربة العدوان بكل الطرق وسماعه أخبار الفدائيين سيطرت أيضًا على جزء من كتاباته الملهمة
شغلت القضية اهتمامه، فكان إنتاجه الأدبي نابعًا من تفاعله مع شعبه وأرضه، فجسد في روايته "عائد إلى حيفا" رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا، فيما طغت تجربته المريرة التي عاشها مترجلًا بين البلدان العربية جزءًا كبيرًا من نتاجه الأدبي، فجاءت رواية "أرض البرتقال الحزين" تحكي قصة رحلة عائلته من عكا وسكنهم في الغازية، أما روايته "رجال في الشمس" كان يروي فيها تجربته وهو عائد من الكويت ذاهبًا لدمشق عبر الصحراء، والتي اعتبرها البعض من أجمل ما كتب.

رواية "أرض البرتقال الحزين" تحكي قصة رحلة عائلته من عكا وسكنهم في الغازية
العمل الفدائي ومحاربة العدوان بكل الطرق وسماعه أخبار الفدائيين سيطرت أيضًا على جزء من كتاباته الملهمة فجاءت "ما تبقى لكم" وقصة "أم سعد" لقصص حقيقية أثرت على كنفاني، وألهمت خيال الروائي الناقد والثائر على واقعه، لم يكن واقع بلاده هو ما يشغله فقط، فترحاله إلى البلادان العربية جعله ينظر بعينه الناقدة على وضعها، زار بغداد ورأى انحراف النظام وبطشه، فأثاره أن يرى الظلم الواقع على أهلها فكتب عنها، وعن عبد الحكيم قاسم حاكم العراق آنذاك. اغتيل غسان كنفاني على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية في 8 يوليو 1972، عندما كان عمره 36 عامًا بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت، وما زالت أعماله قائمة تدل على تاريخه الحافل بالقيم الأدبية الثرية بالحب والحنين إلى الوطن، وكره الاحتلال الغاشم.



