كشفت وثائق سرية بريطانية، تعود الى فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، عن الملابسات التي رافقت تأسيس الجيش اليهودي، وقد قامت صحيفة "الشرق الاوسط" بنشر وثيقة سرية بريطانية تم "الافراج" عنها مؤخرا، ضمن ملف جاء تحت اسم "فلسطين: المنظمات اليهودية غير النظامية". يبدأ الملف بوثيقة طويلة تحت عنوان "مخطط السياسة الصهيونية" في فلسطين، مع وثائق ملحقة تتعلق بتأسيس الجيش اليهودي. محتوى المراسلات بين المسؤولين البريطانيين ووزارة الخارجية في لندن عكسته الوثائق التي ضُبطت في مطار لندن، وكان يحملها بن غوريون عندما كان في طريقه إلى الولايات المتحدة للاجتماع بالمنظمات اليهودية هناك وبعض المسؤولين في الإدارة الأميركية.
وتفصيل هذا تم على النحو التالي، تزيل الحكومة البريطانية، في نهاية كل عام خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر، اصفاد السرية المفروضة على ملفات رسمية ووثائق قامت بفحصها وتنقيتها وترتيبها لجنة متخصصة في مركز الأرشيف الوطني. الا ان بعض الملفات يبقى قيد السرية مدة أطول تتراوح بين 60 و75 عاما لحساسيتها واعتبارها تخص الأمن القومي، لا سيما الوثائق التي تتعامل مع قضايا الاستخبارات والتجسس. من الوثائق التي تتعلق بالشرق الأوسط خلال الفترة التي تتناول سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وحتى انسحاب بريطانيا منها، واندلاع الحرب هناك، أفرج عن ملف وفي آب/ اغسطس 1941، بعث سكرتير المكتب البريطاني الرئيس في القدس، رسالة إلى المكتب الكولونيالي في لندن تتضمن بيان "عصابة ستيرن" اليهودية، ووثائق أخرى تتناول نشاطات العصابات الأخرى، مثل "الهغانا"، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة اليهودية.
الوثائق تظهر نشاطات المنظمات اليهودية وعملها من خلال بعض الشخصيات المرموقة في الحياة السياسية البريطانية، مثل وايزمان وروثشايلد، لغرض التأثير على الموقف البريطاني ورفض "الكوتا" التي فرضتها بريطانيا على دخول اليهود المهاجرين من أوروبا لزيادة تعداد اليهود في فلسطين. وفي تشرين الثاني/ اكتوبر 1942 ارسلت الاستخبارات الأمنية البريطانية بتعميم إلى الدوائر والشخصيات المعنية بالملف الفلسطيني تشرح فيه النشاطات السرية للعصابات اليهودية حول موضوع الهجرة، الذي وجده المسؤولون في المكتب الكولونيالي "مقلقا جدا".
لم تكن بريطانيا ترغب في أن تتدهور الحالة في فلسطين إلى حد يمنعها من نقل قواتها إلى مناطق نزاع أخرى في العالم، إذا تطلبت الحاجة ذلك، لهذا اتخذت بعض الخطوات عام 1943 لوضع حد لدخول عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، حتى لا تثير حفيظة العرب وتتدهور الحالة الأمنية. بن غوريون كان متوجها إلى واشنطن للاجتماع بالقادة اليهود هناك. وبعثت وزارة الخارجية البريطانية رسالة موجهة إلى المسؤولين البريطانيين في القدس. وتقول إحدى الرسائل بخصوص وثائق بن غوريون: "إنها في غاية الأهمية، بعضها يتناول اللقاء بين القادة المعروفين بولاءاتهم الصهيونية وأخرى بولاءات غير صهيونية. الاجتماع طالب به روثشايلد، من أجل إيجاد أرضية مشتركة بين الطرفين حول مستقبل فلسطين. كان هناك اتفاق بين الطرفين، باستثناء إنشاء دولة يهودية على كامل فلسطين".
تتناول الرسالة اجتماع وايزمان مع مورغونثو من الإدارة الأميركية. هذا الأخير اقترح أن يتم إرسال 300 ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين حالا. وتعتقد لندن أن الاقتراح الأميركي يظهر عدم فهم الإدارة الأميركية للوضع في الشرق الأوسط. غير أن الرسالة تبين أن بريطانيا لا تريد إثارة حفيظة الولايات المتحدة التي لم تقرر بعد دخول الحرب إلى جانبها.
وهناك وثيقة أخرى تخص مذكرة بعث بها بن غوريون إلى الوكالة اليهودية "يشاطره فيها الرأي وايزمان، وهذا ما يرغب في أن يعمل عليه الاثنان في نشاطاتهما في الولايات المتحدة الأميركية". تقول رسالة وزارة الخارجية: "المهم في الموضوع هو خطة الوكالة اليهودية الكاملة، وهي إحضار ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين إلى فلسطين خلال 10 سنوات بعد الحرب". وتضيف الرسالة أن "القادة الصهاينة صامتون تجاه تحديد الحدود بين المناطق العربية واليهودية، والمذكرة التي كتبها بن غوريون تفسر السبب وراء ذلك. وتبين أيضا أنه لا يوجد أي أمل على الإطلاق في أن يقبلوا بأقل من جميع مناطق فلسطين".
وهناك وثائق أخرى من مكتب سلطات الانتداب، تحذر لندن من أن المنظمات اليهودية لن تقبل بقرار التقسيم. وفي تشرين الأول/ اكتوبر 1946 قال المكتب إن الرأي العام اليهودي يعارض فكرة التقسيم "إلا إذا حصل اليهود على حصة الأسد، وهذا سيكون غير مقبول من قبل العرب، وسيرفضونه بدورهم". وهذا ما كانت تريده المنظمات اليهودية. وفي وثائق تعود إلى فترة 1948، قال المسؤولون البريطانيون إن "العرب انهزموا في عدة مواقع، وادت الانتصارات اليهودية إلى حالة من الإحباط في الجانب العربي، وأن معنويات العرب انخفضت إلى الصفر.. وانسحبوا من المناطق المختلطة، وتركز أملهم في الجيوش النظامية للدول العربية".
imagebank - AFP