لماذا يتنكر الناس بأقنعة على وجوههم، ويبتهجون راقصين بثياب مزركشة وملونة في كل كرنفال، وأشهره الذي بدأ أمس السبت في البرازيل ويستمر حتى فجر الأربعاء المقبل ؟ من أين جاء الكرنفال، الشبيهة احتفالاته بما عندنا من مهرجانات "النوروز" في تركيا وإيران وشمال العراق؟
باحثون ومؤرخون من البرازيليين بشكل خاص، يجدون أصله في بابل القديمة قبل أكثر من 3 آلاف عام، ويكتبون مجمعين تقريبا عن احتفال سنوي يسمونه Saceias باللاتينية، وكان يستمر فيها 4 أيام، تبدأ في 21 مارس/ آذار كل عام بإطلاق سراح سجين وتنصيبه ملكا بديلا عن الحقيقي. كان الملك المزيف يلبس ويأكل ويتصرف كما الحقيقي تماما، ومثله كان يقيم في القصر مع زوجات وخليلات مزيفات أيضا، وفي اليوم الأخير من الاحتفالات يأتون به الى باب "معبد مردوخ" في بابل، ويبدأون بإذلاله، كما يفعل "الدواعش" حاليا برهائنهم، فيجلدونه ويهتكون ثيابه، ثم يضعونه على خازوق ويرفعونه ممزقا لتنهش بجسده الغربان، وبعدها يعود الحقيقي الى عرشه وحياته الطبيعية كما كان.

كان في بابل القديمة كرنفال شبيه بكرنفال البرازيل، لكنه دموي
قصة مسرحية "الزعيم" من بابل أيضا
قيل ايضا بأن الملك الحقيقي كان يختلط أيام الاحتفالات بالشعب ليبدو كأحد رعاياه، فيأكل مثلهم وينام في بيوتهم ويرتدي المهلهل من الثياب، كما كان يضع قناعا على وجهه، كي لا يعرفه أحد، ويقلده أفراد الشعب، هاربين مثله من "روح شريرة" تستهدف الملك بشكل خاص لتتخلص منه، لأنه ممثل العدو الأكبر، الإله "مردوخ" على الأرض، لذلك كان يأتيكل عام، بحثا عن الملك ليفنيه، ولا يجد الملك طريقة للخلاص إلا بخداع جماعي سهل: يختلط الملك بالشعب ويخفي وجهه بقناع ويتنكر بثياب غير ثيابه كي لا يعرفه أحد، ويضع في القصر "بديلا" يتقمص شخصيته، كما رأينا في فيلم "صاحب الجلالة" للراحل فريد شوقي، وهو عن "شيال" حقائب في فندق "مينا هاوس" بالقاهرة، طلبوا منه أن يحل مكان السلطان "مارينغوس" لشبهه به، بعد أن علموا بمؤامرة لاغتياله، وهي قصة تكررت في مسرحية "الزعيم" لعادل أمام أيضا.

الثياب التي كانت مزعجة بأشكالها وألوانها في بابل أصبحت في الكرنفالات الحديثة جميلة وزاهية الألوان
بهجة الكرنفال إلا المنطقة التي ولد فيها
أما الشعب فكان يدافع عن الملك، بأن يضع أفراده أقنعة تشويهية ويرتدون ملابس يأنف من أشكالها وألوانها النظر، ويفتعلون ضجيجا صاخبا وعشوائيا كيفما كان لإزعاج الضيف الشرير، تماما كما يفعل أبناء بعض القرى العربية في القرن 21 ويخرجون حين يخسف القمر، حاملين الطناجر والقدور، ويطرقونها ببعضها لينزعج بضجيجها حوت يظنون أنه ابتلع الجرم الأقرب من الأرض، فيلفظه من فمه ويعيده الى جوف السماء. وفي البرازيل هذه الأيام، يحدث الشيء نفسه، مع تعديل طرأ عبر الزمن على الكرنفال الذي انتقلت احتفالاته من بابل القديمة الى اليونان وتغيرت فيها، ومنها الى روما وبقية الامبراطوريات، وعبرت الحدود إلى قارات وشعوب بعيدة،

جدارية بابلية للاله الوثني مردوخ وهو يصرع التنين الخارج من أحشاء روح الشر تيامات
في البرازيل يختارون كل عام شخصا، بدينا دائما وسمينا، ليبدو مهيبا كالملوك حين يطل الكرنفال، يسمونه الملك MoMo ويسلمه حاكم الولاية مفتاح المدينة، ليكون فيها بديلا عنه شخصيا طوال 4 أيام، تماما كالبديل قبل أكثر من 3 آلاف عام عن الملك البابلي، إلا أنهم يقومون بتكريمه ويمطرونه بالهدايا، بينما يبتهج 200 مليون برازيلي، معظمهم يرقص ويبتهج في النوادي والشوارع والساحات والشواطئ، في احتفالات تدر أكثر من 6 مليارات دولار على منظميها، وعددهم بالآلاف. بتصرف عن العربية.

رئيس بلدية ريو دي جنيرو، ادواردو بايس، بسلم مفتاح المدينة للملك مومو، مفتتح كرنفال 2015 أمس السبت

كرنفال ولاية باهيا في الشمال البرازيلي، هو الأشهر بعد كرنفال الريو

من كرنفال 2014 في ريو دي جنيرو
