انتشرت ملصقات في شوارع بغداد تحرض على تحريم الغناء وتمنع تبرج النساء وخروجهن من المنازل من دون محرم، وتمنع الرجال من مصافحتهن، في شعارات منفرة تكفيرية استفزازية كما وصفها ناشطون مدنيون. هذه الشعارات المتشددة علقتها جهات مجهولة على جدران تستخدم حواجز بالقرب من نقاط التفتيش في مناطق مختلفة من بغداد.
وفي تعليق على ذلك، قال الكاتب مازن لطيف، إن العراق ليس بلدًا إسلاميًا لتفرض فيه آراء أو يمنع فيه الغناء أو الخمر، "ففي العراق ديانات مختلفة يعيش فيه عدد كبير من غير المسلمين، وعندما يغيب القانون تظهر هذه الشعارات، وما خلفها من ترويع في المناطق السكنية الشعبية لاثارة الذعر بين الأهالي والسيطرة عليهم".

شعارات متشددة علقتها جهات مجهولة في بغداد
هيبة الدولة
قال زياد العجيلي، رئيس مرصد الحريات الصحفية في العراق، ان "نشر هذه اللافتات أو الشعارات في عدد من مناطق بغداد يعطينا اشارات واضحة بأن المتطرفين أقوى من الدولة، والاجهزة الامنية عاجزة عن فرض هيبتها امامهم، وبغض النظر عمن وزع هذه الشعارات التي تدرج غالبها احاديث لا وجود لها بالسنة النبوية، لكنها بكل تأكيد ستثير الرعب بين المدنيين وخاصة الاقليات ممن مازالوا متواجدين في العاصمة بغداد". أضاف أنه أمر مستغرب بأن وزارة الداخلية وعمليات بغداد لم تتخذا أي قرار تجاه هذه الاحداث التي تعد بالنسبة للكثير من السكان المحليين "شعارات لا تختلف عن رايات داعش أو شعاراتها، لانه وبكل بساطة يمكن أن نجد رايات لداعش في يوم ما ببغداد بسبب تقاعس الاجهزة الامنية والقوات العسكرية حماية هيبة الدولة ومواطنيها".

أما رئيس جمعية مراقبة حقوق الإنسان العراقية مهند نعيم فقال: "هذه اللافتات علقت في الشوارع العامة وبعض منها على جدران أبنية حكومية وليس في مجمعات سكنية". وأضاف: "الاحاديث التي تضمنتها لا يوجد لها أي سند بل انها اخذت الطابع الشيعي رغم أن الملصقات لم تحمل أي اسم لأي جهة أو مؤسسة دينية". واكدت النائبة شروق العبايجي أن جهات مختلفة تعلق هذه الملصقات، وقالت: "في بلد مثل العراق تسوده الفوضى والعقلية الذكورة المتجاوزة لأبسط مبادئ حقوق الانسان، وانعدام الحملات الوطنية الجادة لرفع مستوى الثقافة واستغلال الدين بشكل خاطئ، وهي السبب في ظهور مثل هكذا منشورات مضللة تقوم بها جهات مختلفة تحاول قدر الامكان استغلال هذا الفراغ القانوني لنشر خرافات تعزز الجهل والخوف باسم الدين واستغلاله بهذه الطريقة التي تسيء اليه ايضًا".
المثلية الدينية
قال الشيخ غيث التميمي: "بدءًا لنؤسس قواعد تفاهم مع التدين الاصولي، بتصوري أن إمكان التعايش بين الدولة الحديثة المبنية على أساس المواطنة والمجتمع المدني وحقوق الانسان تكاد تكون مستحيلة، ذلك لأن أهم ركائز التدين الاصولي هو فرض التدين على الاخر وليس الاكتفاء باعتبار أن التدين علاقة فردية طولية بين الانسان وربه". أضاف: "لذلك واحدة من آليات هذا النوع من التدين هو رفض الحريات الخاصة للاخرين وفرض ما استطيع أن اسميه بـ(المثلية الدينية) بمعنى أن المتدين لا يرى الآخر ويبحث فقط عن شبيهه". وتابع: "اعتقد أن القوى السياسية المهيمنة على صناعة القرار السياسي في العراق عملت منذ عام 2011 إلى الآن على اغتيال التجربة الديمقراطية الناشئة في العراق"، منبهًا إلى انتشار ظاهرتي السلاح خارج حدود القوات المسلحة (الدستورية) وإعادة انتاج القبلية وترييف المدن في المجتمع العراقي.

قال: "يمارس رجال الدين دورًا مباشرًا في تغذية هاتين الظاهرتين بالتطرف والفكر الأحادي ومحاربة مظاهر التحضر والتمدن في المجتمع مثل الفن والموسيقى والسفور والاختلاط بين النوعين وغيرها من مفردات هوية المجتمعات المتمدنة في العراق". وتابع: "شخصيًا، اعتقد أن هذه الحملة ومثيلتها تصب باتجاه طرد مع ما يقوم به تنظيم داعش من أسلمة المجتمع العراقي وتغييب الوان الفسيفساء الاجتماعية، بل أن الأحزاب الدينية سعت خلال السنوات الخمس الماضية الى (قوننة) فرض التدين الاصولي في العراق، ومثال ذلك محاولة تشريع القانون الجعفري للأحوال الشخصية والمادة 26 في قانون البطاقة الموحدة".
فيه شكوك
اوضح الشيخ صالح مهدي العتبي أن سبب هذه الملصقات يكمن في غياب القانون. قال: "اعتقد أن الجهة التي وزعت هذه الكتابات معروفة، واعتقد انهم جماعة اليماني بل متأكد من هذا، لكنني بصراحة لا اعرف الغرض من وراء ذلك، لكن من المؤسف أن نجد مثل هذه الكتابات التي تثير المواطن وتستفزه، وانا لا ألوم احدًا لأن في البلد صار كل واحد يكتب ما يريده والسبب غياب القانون". وأكد رجل الدين الشيخ عباس زرزور أن هذه امور شرعية قد لا افضّل الحديث فيها، لكنه قال: "ليس في الاسلام مثل هذه السلوكيات التي تشيع نوعًا من الخوف بين الناس ثم من هؤلاء الذين قاموا بهذه الافعال، فهم لم يكشفوا عن اسمائهم او جهاتهم، لهذا فالامر فيه شكوك، بل اسأل اين الدولة منهم لتكون الجدران العامة مساحات اعلانية لاشخاص غير معروفين ينشرون فيها ما يشاؤون" .

وتابع: "يقول الله جل وعلا (انا هديناه السبيل فأما شاكرًا اما كفورًا) ولا اعتقد أن مسلمًا لا يعرف معنى هذا، والكتب كثيرة في خلع الملابسف الحلال والحرام وما نبه الله تعالى إلى (فاجتنبوه) ولا أريد أن اتوسع في ما ليس محله فضلاً عن كونه حساسًا لكن الناس مجبولة على الاختلاف، فهناك متدينون وهناك من نسميهم علمانيين وهناك آخرون يعتقدون ما لا يعتقد غيرهم".
موقف وزارة الداخلية
قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن: "وضع مثل هذه الملصقات محاولة لثلم السلم الأهلي في بغداد وإساءة للتعايش السلمي، بغداد منذ الازل مدينة لجميع الاطياف والاديان وليست لطيف واحد، ولن يسمح لاي جهة أن تفرض طقوسها او شروطها في العيش خارج ما يفرضه القانون الذي تطبقه وزارة الداخلية والمؤسسة الأمنية وينص عليه الدستور".

المسيحي لا يتكلم
لا تحدد سرسم المناطق التي علقت فيها تلك الملصقات لكنها تؤكد مشاهدة مثيلاتها في الكاظمية وقرب نقاط تفتيش كما تبين الصور. وعن أثر هذه الملصقات على المسيحيين في بغداد، تقول سرسم المسيحية: "بالنسبة إليّ، تعودت ظهور مثل هذه الدعوات بين فترة وأخرى". لكن يوسف قاشا وهو أستاذ مسيحي قال: "المسيحي آخر من يحق له الاعتراض لا يغرنكم دموع الساسة والمسؤولين عن المسيحيين فهم اول من شجع على تهجيرهم والسيطرة على بيوتهم ومعاملتهم كغرباء في هذا البلد".
سخرية مدنية
سخرت الناشطة المدنية في حقوق الانسان نداء عباس من اللافتات، قالت: "اتصور أن ما انتشر لن يكون سوى بداية لظاهرة ستتوسع لاسباب اهمها السجالات الساخنة في وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بين من يدعون الى دولة مدنية في العراق يوسمون بالعلمانية، وبين من يمثلون التيار الاسلامي في العراق والتي تعتبر من افرازات التظاهرات والاحتجاجات التي يشهدها العراق .

