هي الابنة الوحيدة لأبيها الذي حكم الولايات المتحدة الأميركيّة على مدى ثمانية أعوام في التسعينات من القرن الماضي، ووالدتها التي كانت وزيرة للخارجية في حكومة الرئيس أوباما، والتي قد تكون أول إمرأة أميركية تدخل البيت الابيض بعد الإنتخابات القادمة! تلك هي تشيلسي كلينتون التي تبلغ الان من العمر 35عامًا، والتي تمكنت من أن تحقّق حلم والديها في أن تكون ذات يوم متألقة في المشهد السياسي الأميركي. من ذلك مثلاً أنها لا تنقطع عن المشاركة في ندوات سياسية سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. كما انها تحب ان ترافق والدها في رحلاته الى بلدان مختلفة للتعرف على مشاكلها، وعلى الشخصيات التي تحكمها. وكان لها حضور بارز في ندوات دولية انتظمت في هايتينوفي جنوب أفريقيا، وفي مدينة مراكش المغربية، ولا هدف لها من كلّ هذا غير الحصول على معرفة واسعة ودقيقة بكلّ ما يتعلّق بالسياسة العالمية.
وفي شهر حزيران-يونيو 2015، ترأست تشيلسي في مقرّ الامم المتحدة بنيويورك ندوة عالمية حول العائلات الاحاديّة الأبوين بصفتها رئيسة لجمعيّة حقوق الانسان التي انشأها والدها عام 2001. وأمام جمع غفير من الدبلوماسيين، والموظفين السامين، ورؤساء جمعيات حقوقية من جميع انحاء العالم، صعدت إلى المنصة انيقة، وواثقة من نفسها لتلقي خطابًا شفويًا بليغًا. وفي النهاية، أشارت إلى أنها سعيدة بأن تكون لها ابنة عمرها ثمانية أشهر فقط، وزوج (مارك ميزفنسكي) الذي يشجع كلّ نشاطاتها، ويقدم لها ولابنتها في كل يوم "الحب والحنان".

بيل وهيلاري وابنتهما تشيلسي كلينتون
وفي تحقيق مسهب حولها، أشارت مجلة رفيعة المستوى أن الذين يعملون معها يقولون بأنها "تتحلى بمواصفات وفضائل القائدة المحنكة". وهي ملمة بكل الملفات، ودائمًا حريصة على الإلمام بكل شاردة وواردة. بل أنها وجدت الوقت الكافي لكي تؤلف كتابًا حمل عنوان: "هذا هو عالمكم: تعرفوا عليه، واستوحوا منه ثمّ انطلقوا إلى الامام"، وفيه تقدم رؤيتها الخاصة عن النجاح، وعن الطرق الضامنة لتحقيق الطموحات والآمال.
وقد دخلت تشيلسي كلينتون عالم السياسة في سنّ مبكرة. فقد كانت في السادسة من عمرها لمّا شرع والدها في الصراخ أمامها بشتائم يطلقها السياسيّون خلال الحملات الإنتخابيّة. وحتى قبل أن تتعلم القراءة والكتابة، كان والداها يقرآن امامها "الجريدة الديمقراطية" الخاصة بولاية أركانساس، التي كان بيل كلينتون حاكمًا لها بين عامي 1983 و1992. وهي تلميذة في المدرسة الابتدائية، كتبت رسالة الى الرئيس رونالد ريغن تبلغه فيها احتجاجها على زيارة أداها برفقة المستشار اللألماني هلموت كول إلى مقبرة جلّ المدفونين فيها جنود من الجيش النازيّ. وفي تلك الرسالة كتبت تقول: "عزيزي السيد الرئيس. لقد شاهدت فيلم "نغم السعادة". وقد بدا لي أن النازيين ليسوا لطفاء. لذلك من فضلك لا تذهب الى مقبرتهم". وفي كتابها: "لا بد من قرية كاملة لتربية طفل"، أشارت هيلاري كلينتون إلى أنها وزوجها سعيا منذ البداية على أن تألف ابنتها الازمات، وأن تتعلم كيف تواجه المصاعب، وكيف تتخطاها. وفي المدرسة، كانت تحرص على أن تكون دائما جديّة، وحازمة في مواقفها.

بيل وابنته تشيلسي كلينتون
وعندما انتخب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية عام 1992، طلب بيل كلينتون تجنيب ابنته الصغيرة ألاعيب وسائل الإعلام. غير أن البعض من الصحافيين ومن رجال السياسة حاولوا استفزازها أكثر من مرة غير انهم لم يفلحوا في إرباكها، بل حافظت دائمًا على برودة دمها، وعلى جديتها وصرامتها، مثبتة انها قادرة على أن تكون "المراهقة المثالية"، كما وصفها أحد الموظفين السامين في البيت الابيض. وعندما شرعت وسائل الإعلام في نشر تفاصيل فضيحة العلاقة النوعية بين والدها ومونيكا لوفينسكي التي هزّت الولايات المتحدة الأميركية، كانت تشيلسي تتأهب لدخول جامعة "ستانفورد" العريقة.
وكانت سعيدة بذلك، لكن حالما بلغتها أصداء الفضيحة، شحب وجهها وتعتّمت ملامحها وفقدت التركيز والقدرة على الكلام. وجريحة القلب ظلت على مدى أشهر طويلة ترفض الحديث مع والدها الذي تفهّم موقفها الشيء الذي زاد في عذابه النفسي. بل أنه أجهش بالبكاء لمّا بلغه أن ابنته اطلعت على تفاصيل التقرير القضائي بشأن تلك الفضيحة المدويّة التي تحولت الى مسلسل يومي يعيش على وقعه جلّ الأميركيين بجميع طبقاتهم، وطوائفهم السياسية. وللتخفيف من حدة الصدمة، راحت تتردّد على البعض من أصدقائها المخلصين في الجامعة.

لا تنقطع عن المشاركة في ندوات سياسية سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
وكان مارك ميزفينسكي الذي سيتزوجها عام 2010 واحدًا من هؤلاء. وكان يتمتع بشعبية واسعة في الجامعة، وله مهابة تفرض على الآخرين احترامه وتقديره. ولما اعترف والدها امام الأميركيين بالخطأ الفادح الذي اقترفه طالبًا من زوجته ومن ابنته الوحيدة أن تغفرا له ذلك، شعرت تشيلسي بأنها تخلصت من حمل ثقيل. وفي ظرف زمني وجيز، استعادت حيويتها ومرحها وبدت لأصدقائها في الجامعة كأنها غير معنية تمامًا بما وقع. وتقول إحدى صديقاتها في جامعة سترافورد:”تشيلسي من أقوى الصديقات التي عرفتهن. وهي قادرة على تجاوز المحن بطريقة مدهشة وعجيبة".
ويؤكد العديد من الصحافيين أنها -أي تشيلسي- لعبت دورًا مهماً في منع والديها من الطلاق. وواصفة عودة العلاقة بين بيل كلينتون وزوجته هيلاري بعد فضيحة مونيكا لوفينسكي، كتبت الصحافية افغينيا بيريتز تقول:”أمام كاميرات القنوات التلفزيونية، اجتازت العائلة عشب البيت الابيض للوصول إلى طائرة الهيلوكوبتر. كان بيل كلينتون يسير منحني الظهر. وكانت هيلاري التي تخفي عينيها خلف نظارات شمسيّة تنتصب مستقيمة مثل حرف الاي. بينهما كانت شلسيا تتقدم ماسكة بيد كل واحد منهما. لقد كانت الضّمادة التي تصون العائلة، وتحافظ على تماسكها مقدمة الدليل على أن المصلحة العليا فوق كلّ شيء".

هيلاري وتشيلسي كلينتون
وسعيًا منها للحصول على مزيد من التجارب، انطلقت تشيلسي الى بريطانيا لتنتسب الى جامعة "أكسفورد". ومن تلك الجامعة، تحصلت على شهادة "ماستير" في الفلسفة. وعند عودتها الى بلادها، ارتأت مواصلة حياتها بعيدًا عن البيت الابيض لتعمل في مؤسسة مهتمة بقضايا اجتماعية في المؤسسات. وبعدها، عملت في أحد بنوك "وال ستريت". ورغم الراتب الضخم التي كانت تتقاضاه، فضلت ترك عملها راغبة في اكتساب المزيد من التجارب . وها هي طالبة في جامعة كولوبيا بنيويورك، وفيها تعرفت على ميخائيل سبارر، مدير التعليم في الصحة العمومية. وعندما تيقن هذا الاخير من ذكائها، ومن جرأتها، وحسن تدبيرها، عيّنها مساعدة له.
وخلال الحملة الإنتخابية التي جرت عام 2007، صعدت تشيلسي اكثر من مرة الى المنصة، وفي مدن عدة، للدفاع عن افكار والدتها. وكانت تتكلم بحرارة، ومن دون ارتباك أو تلعثم. بل أنها تكفلت وحدها بـ"تأديب" الصحافيين الملحين والمزعجين. وعندما طلب منه دافيد شوستر، وهو صحافي مشهور يعمل في إحدى القنوات المعروفة، الإجابة على أسئلته، رفضت طلبه رفضًا قاطعًا. وعلق هو على ذلك قائلاً: ”لقد دافعت عن نفسها كأيّ إمرأة كبيرة ومحترمة. وقد احترمت رفضها الاجابة على أسئلتي".

وبعد زواجها الفاخر، قررت تشيلسي أن تنذر حياتها للعمل السياسي والإجتماعي. وعند اشرافها على المؤسسة التي انشأها والداها، أصبحت نجمة، واصبح من الصعب على أصدقائها المقربين الإلتقاء بها، والتحدث معها. هي دائمة التنقل، ودائمة الحرص على القيام بعملها بجديتها وصرامتها المعهودة. واليوم، تقوم المؤسسة المذكورة بالإشراف على مشاريع كثيرة تتصل بقضايا عالمية. ومن أهم هذه المشاريع، توفير الادوية اللازمة لمعالجة مرض "فقدان المناعة" لدى ما يقارب عشرة ملايين أفريقي.
ورغم الصعوبات الكثيرة التي واجهتها في البداية، تمكنت شلسيا من تجنيب المؤسسة التي تشرف عليها، الهزات والازمات المادية التي تعرضت لها منذ تأسيسها في عام 2011. ولم يبخل الوالدان على ابنتهما الوحيدة بتقديم المساعدات لها في الاوقات الحرجة. فهما يتقاضيان مبالغ ضخمة ثمنًا للمحاضرات التي يقدمانها في الجامعات والمؤسسات المرموقة في العواصم العالمية. وليس من السهل الحصول على موعد مع بيل كلينتون الذي يجوب العالم على مدار العام محاضرًا حول القضايا السياسية الساخنة. وتعترف سو فيريس رويال مديرة المؤسسة التي بعثتها عارضة الازياء الشهيرة بيترا نامكوفا بهدف إعادة بناء المدارس، التي تهدمت بسبب الكوارث الطبيعية، بأنها لم تتمكن خلال سنة كاملة من الحصول على موعد مع بيل كلينتون.
وفي حال نجاح هيلاري كلينتون في الإنتخابات الرئاسية القادمة، يمكن أن تتخلى تشيلسي عن إدارة المؤسسة لكي تكون الى جانب والدتها كموظفة سامية في البيت ألأبيض مثبتة مرة أخرى أنها الوريثة السعيدة لوالدين تركا بصماتهما في التاريخ الأميركي على مدى العشرين سنة الماضية!



















