قد يبدو بعيد الاحتمال ولكنه يحصل فعلا: تراتيل كنائس أوروبية ترتدي ثوباً جديداً من خلال لغة الباشتو الأفغانية التي تقدم نصوص الشاعر الصوفي الفارسي جلال الدين الرومي، فكلما زاد التعمق بالتقاليد الروحية اُلْغِيَت الحدود وظهرت أوجه التشابه بين الإسلام والمسيحية بشكل ملحوظ.
المغنية الألمانية الأفغانية سيمين تاندر التي حصلت على تقدير واسع في جميع أنحاء أوروبا، وحدت بين الشعر الصوفي والترانيم المسيحية في الألبوم "ما قيل" مع عازف البيانو النرويجي تورد غوستافسن والموسيقي جارل فيسبيستا.
تأويل جديد للتقاليد الصوفية
خطوة خطوة تتركب قطع لغز هذا اللقاء الروحي: ولد غوستفسن في بيئة بروتستانتية، منذ الصغر كانت له تجارب مع الموسيقى الكنسية. كان يتعامل مع المسيحية بشكل ليبرالي، وطور اهتماماته بالتراث الصوفي من مختلف الثقافات، وانشغل في هذا الإطار بالشعر الصوفي.
كانت سيمين تاندر منذ دراستها مُلمة بأعمال غوستافسن، في المقابل يُقدر هو صوتها ونهجها، جاز بلغة الباشتو، الغناء بلغة والدها. وكانت نغمة هذه اللغة الدافع الأساسي للعمل المشترك: الترجمة الى الباشتو لنصوص الترانيم القديمة التي ألفها القساوسة والأساتذة والمعلمين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتركيز على الإمكانيات الصوفية على حسب إيقاعات الألحان النرويجية التراثية لرفعها الى المستوى العالمي.

كانت سيمين تاندر منذ دراستها مُلمة بأعمال غوستافسن، في المقابل يُقدر هو صوتها ونهجها
طلب جوستافسن من الشاعر الأفغاني حمسايا ترجمة القصائد، وَوازن صديقُ العائلة نجيب سيرملوال - الذي يبحث منذ عشرات السنين في الشعر البشتوني والصوفي والأدب- بعض الكلمات. وهكذا يمكن استيعاب الانصهار الإلهي كما يصفه الشاعر الصوفي الفارسي جلال الدين الرومي. قوة سيمين تادر الصوتية الموحية والرقيقة تفتح مقابل ذلك فضاءات تأملية في ديناميكية حميمة مع خطوط البيانو المخفضة. نبضات إيقاعية مبدعة من عازف الدرامز جارل فيسبيستاد".
الروحانية العالمية بدل "صراع الحضارات"
في هذه الحدود التي تَحِلُّ فيها الروحانية ليس مهماً أن يكون موطن الباشتو في فضاء إسلامي، برأي سيمين تاندر. "الغالبية العظمى من المستمعين لا يفهمون الكلمات، ولكن ينفتحون على التأمليّ من خلال النغمات". وتضيف: من المهم بالنسبة لي أن تكون لدي الجرأة لأغوص في أغنية بهدوء كامل. قبل عامين لم أقدر على ذلك بعد. في قلب العمل هناك التفاني دون تصنع".

"بصراحة نحن لا نريد التواصل. مايهمنا ليست الدلالة السياسية وإنما العلاقة العاطفية والشخصية مع موضوع الروحانية الذي يتدفق في الموسيقى"
لقد لحَّن تورد غوستافسن أشعار جلال الدين الرومي من خلال إيقاع الكلمات، وبهذا خلق جواً إنشادياً. من خلاله يكون تأثير الشعر مباشراً. مثال على ذلك قطعة "ماقيل" التي هي عنوان الألبوم: يتم وصف التفاني للإلهي باعتباره القوة التي تجعل الوردة تتفتح وزهر الرمان يحمرّ.
التصوف الإسلامي والمسيحي في وئام - في زمن يحوم به شبح صراع الحضارات المنتشر في كل مكان - ويمكن أن يكون إشارة ذات دلالة، لكن سيمين تاندر تقلل من هذا الشأن، مؤكدة: "بصراحة نحن لا نريد التواصل. مايهمنا ليست الدلالة السياسية وإنما العلاقة العاطفية والشخصية مع موضوع الروحانية الذي يتدفق في الموسيقى". بتصرف عن قنطرة.





