دقت أجراس الإنذار في اليونان بعد إصابة سائحة بريطانية شابة بالعمى إثر تناولها مشروب كحول مغشوش في أحد ملاهي جزيرة زاكينثوس، إحدى جزر البحر الإيوني السياحية. والدة الفتاة قالت إن ابنتها ذات العشرين عاماً، تستطيع أن ترى أشكالاً فقط، كما أن كليتيها تضررتا بشكل كبير، وتحتاج إلى عملية تنظيف دم في شكل يومي، كما أنها تحتاج إلى رحلة خاصة للعودة إلى بلدها اذ لا يمكنها السفر في طائرة عادية.
وتقول الوالدة المفجوعة إن الشرطة اليونانية تعتقد بأن الحادث يمكن أن يكون سببه مادة الميثانول. إصابة السائحة البريطانية الشابة كانت آخر ما تحتاجه اليونان في هذه الفترة العصيبة. فالقطاع السياحي وحده لا يزال يعمل في شكل جيد ويمدّ البلد بكميات ضرورية من العملة الصعبة ويشغّل آلاف العاملين، في ظلّ تعطل العديد من القطاعات الأخرى وتراجعها في شكل كبير. ولا شكّ في أن اليونان ترغب في الحفاظ على القطاع السياحي بعيداً من التأثيرات السلبية للأزمة الاقتصادية التي عصفت بها.

السائحة البريطانية
مسألة تقديم كحول مغشوش، أو"القنبلة" كما يطلق عليها الشبان هنا، معروفة في اليونان( منذ سنوات لكلِّ مرتادي الملاهي الليلية. لكن لا يبدو أن ثمة موقفاً جاداً من هذه المسألة من طرف سلطات الرقابة، وليس من الزبائن أنفسهم. قد تتأخر أعراض تناول مشروب مغشوش حتى صباح اليوم التالي، وقد تظهر بعد دقائق قليلة على شكل صداع ودوّارٍ في الرأس وألم في المعدة. يعتقد الشباب أن كل الملاهي الليلية تغش المشروبات الكحولية لتجني المزيد من الأموال. ويُعتبر الشباب من صغار السنّ أكثر ضحايا وذلك لقلة خبرتهم ورغبتهم في شرب المزيد بقصد التباهي أمام الأصحاب.
في المقابل تستخدم الملاهي سياسة مختلفة مع الأكبر سناً والأكثر خبرةً، يكون الكأس الأول أصلياً، وذلك بانتظار بلوغهم مرحلة "الكيف" فيشربون حينذاك من دون تمييز. وتشكل مشروبات "القنبلة" الرخيصة دعايةً مجانية للملهى. ويعمل العاملون في الملاهي الليلية على زيادة السكر لدى الزبائن عبر تقديم بعض الكؤوس "المضروبة" مجاناً. ويحتاج، حتى العاملون في الملاهي، إلى خبرة وملاحظة قوية لتمييز الكحول المغشوش من الأصلي، لكنّ مالك الملهى هو الذي يقرر في النهاية نوعية الكحول المقدمة للزبائن. حادثة السائحة البريطانية تأتي لتهز كذلك الثقة بالمعلومات التي تعطيها المؤسسات المسؤولة عن توزيع كحول مغشوش في اليونان.

أحد ملاهي جزيرة زاكينثوس
ويؤكد اتحاد الشركات الموزعة للكحول على موقعه الرسمي أن مسألة غش الكحول مبالغٌ فيها، وأن المختبرات الكيميائية التابعة للدولة اليونانية تؤكد أن اليونان لا تشهد في السنوات الأخيرة مشكلة غش جوهرية في المشروبات الروحية. كما تناقض الحادثة زعم اتحاد موزعي الكحول أن ظاهرة غش الكحول معروفة في المناطق الرخيصة فقط، حيث تعد جزيرة زاكينثوس مقصداً سياحياً معروفاً للسياح الأوروبيين. القوانين اليونانية تنص على إقفال الملاهي التي يعثر فيها على مشروب مغشوش مرتين خلال ثلاثة أعوام، لكن تلك القوانين لا تُطبّق في شكل رادع. وتقول معلومات تنتشر في اليونان إن صهاريج من بلاد بلقانية مثل بلغاريا وألبانيا وهنغاريا، ضُبطت أكثر من مرة محملةً بكميات من الكحول المغشوش في حاويات سرية.
ويُعتبر الربح المادي الهدف الأول لبيع المشروبات المغشوشة، اذ ان سعر القنينة الواحدة من الكحول المغشوشة يقل بحوالى 15 يورو عن سعر قنينة الكحول غير المغشوشة. ويشير الكيميائي نيكولاوس كاتساروس، الرئيس السابق لقسم مراقبة الأغذية، إلى أن اليونان تشهد في الفترة الأخيرة غشاً للمشروبات الكحولية بمواد خطيرة وغير معروفة. ويوضح في تصريحات إلى صحيفة محلية أن عمليات الغش تكون بخلط كحول معروفة بمواد أقل جودة، أو خلط كحول من نوعية سيئة بمواد لإعطائها لون الكحول المعروف، وهذه عملية خطيرة تسبب أضراراً واسعة بالدماغ حتى العمى. عملية الغش الأسوأ، كما يوضح كاتساروس، تأتي من بلاد أوروبا الشرقية، حيث يعمد المهربون إلى تصفية المواد الصناعية، مثل فرنيش طلاء السيارات لاستخراج المواد الكحولية منه، ثم يتمّ تخفيف العصارة المستخرجة من هذه المواد وتقديمها كمشروبات كحولية.

أصيبت سائحة بريطانية ب العمى بسبب كحول مغشوش
المخدرات المغشوشة
مشكلة المخدرات أقل انتشاراً مقارنة بنسبة الكحول، لكنها أدت إلى وفيات وتضرر شباب كثيرين في اليونان. وتقول صحيفة "توفيما" نقلاً عن مصادر في الشرطة اليونانية، إن مروجي المخدرات في مناطق شمال اليونان يضخّون - إلى جانب المخدرات المغشوشة - مادة مركبة تشبه الكوكايين بأسعار مغرية جداً، وذلك بهدف اجتذاب المزيد من المدمنين لشرائها. وتشكل الكوكايين المركبة مادةً مفضلة تُوزع في الحفلات والمناسبات الشبابية المختلفة. ويبلغ سعر الغرام الواحد حوالى ثلاثين يورو، فيما يبلغ سعر غرام الكوكايين الأصلي حوالى 90 يورو.
المثير للقلق أن الكوكايين الذي يصل إلى أيدي المدمنين، يكون مرّ بمراحل عدة من الغش والتحويل، أي تحول إلى مادة في غاية الخطورة. وبسبب الأزمة الاقتصادية تحولت المخدرات "النظيفة" إلى عملة نادرة تذهب إلى ميسوري الحال والذين يتناولونها خلال السهرات. أما الفقراء منهم فقد أصبحت تصلهم مخدرات مغشوشة تقتلهم ببطء أو تذهب بحياتهم في شكل مفاجئ. لا يبدو أن مشكلة الكحول والمخدرات المغشوشة ستلقى حلاً قريباً في اليونان، على رغم أنها تذهب بحياة العديد من الشبان سنوياً، فالأزمة التي دفعتهم إلى استهلاك تلك المواد المغشوشة، هي نفسها التي دفعت الدولة إلى الاهتمام بالاقتصاد وتركهم لمصيرهم المجهول.


