لم تتوقف العُنصرية عند مشهد العبد العامل في مزارع سيده، الذي يتلقى ضربات السياط على ظهره لإنجاز عمله، أو مشهد منع شخص من دخول مكان ما عامٍ لأنه اسود البشرة! لقد تجاوز الأمر ذلك إلى وجه آخر من أوجه "بشاعة" العنصرية. . إنّه الوجه المُتمثّل فيما عُرف ب "حدائق الحيوان البشرية"! سواءً في العصور التي انتشرت فيها العُبودية، أو بعد إعلانات ووثائق تحرير العُبودية، التي أدت بمرور الوقت – بالفعل- إلى تحرير العبيد، لكنّهم ولوقت طويل لم يحظوا بالمساواة مع غيرهم.
ماذا تقصد بحديقة حيوان بشرية؟
يُطلق عليها بالإنجليزية Human zoo، إذًا فالترجمة الحرفية لها بالعربية هي "حديقة حيوان بشرية". أما ما تُشير إليه العبارة، فهي حدائق عامة مُحاطة بأسوار، يُوضع فيها بشر، في أقفاص أو مساحات مُحاطة بسياج، بُغية عرضهم على زُوّار هذه الحدائق. البشر المعروضون فيها غالبًا من المُلوّنين (السود)، او بيض مرضى لهم هيآت جسدية خاصة. والزوار هم المواطنون البيض، الذين يأتون للاندهاش من "الكائنات" المعروضة!
متى وأين بدأ ظهورها؟
يُسجل التاريخ ظهور أوّل حديقة حيوان بشرية، في إيطاليًا، تحديدًا الفاتيكان. وكان ذلك في القرن السادس عشر، حيث أسست أسرة ميديشي الأوروبية العريقة واحدةً من أكبر حدائق الحيوان الأوروبية آنذاك. وخصصتها لعرض الحيوانات الغريبة، بالإضافة إلى أكثر مجموعات بشرية من أكثر من عشرين عرقية مُختلفة، بينها التتارية والهندية، فضلًا عن الإفريقية. يُشار إلى أنّ تلك الحقبة الزمنية، عُرفت بعصر النهضة الأوروبي، الذي اعتبرت تلك الحديقة واحدة من مظاهره!

انتشرت تلك الحدائق في الأمريكتين بُعيد استيطان الأوروبيين فيهما. وكانت أقرب إلى كونها معارض متنقلة تعرض إلى جانب الحيوانات، البشر المُلوّنين، والأقزام، والمصابين بالبرص أو التوائم السيامية (المُلتصقة). وبدايةً من مُنتصف القرن التاسع عشر، كانت ذُروة انتشار تلك الحدائق بشكل أكثر تأسيس، حيث شهدت أوروبا الكثير منها، ما زالت آثارها باقية إلى الآن. منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبسبب ظهور الصحافة، أخذت تلك الحدائق صيتها وشهرتها، وتحوّلت إلى تجارة مُربحة، قائمة في العادة على الخداع. فعلى سبيل المثال، من أشهر معروضات تلك الحدائق، كانا الأخوين ماكسيمو وبارتولا. وهما شقيقين وُلدا برأسين صغيرين، ما أثّر على قُدراتهما العقلية وكذا الجسدية.
كان الشقيقان يعيشان مع والدتهما مارينا إسبينا في إحدى قُرى السلفادور، إذ كانوا من السُكّان الأصليين لأمريكا الوُسطى (حضارة المايا). استطاع أحد التُجّار الإسبان ويُدعى رامون سيلفا، إقناع والدتهما بأخذ ابنيها لعلاجهما في أمريكا، لكنّه بدلًا عن ذلك باعهما إلى أحد العاملين في مجال حدائق الحيوان البشرية، والذي بدوره أخذ في تأليف قصّة غير حقيقية عنهما، لترويجهما إلى جمهوره باعتبارهما اكتشافًا نادرًا!

القزم أوتا بينجا:
أوتا بينجا، أو "الصديق" بلغة قبائل مبوتي التي تقطن أدغال الكونجو. أوتا بينجا هو واحد من أفراد هذه القبائل الذين هُم جميعًا من الأقزام. يُرجّح أن أوتا بينجا قد وُلد عام 1883، في قريةٍ صغيرة على ضفاف نهر كاساي. عاش مع قبيلته كفرد عادي؛ تزوّج وأنجب ولدين، قبل أن تتحوّل حياته تمامًا.
ما حدث هو أنّ تاجرًا أمريكيًّا يُدعى صمويل فيليبس فيرنر، كان قد تعاقد مع معرض الأعراق بمدينة سانت لويس الأمريكية، على أنّ يمدّهم بمجموعة من الأقزام ليتم عرضهم في ذلك المعرض. وتصادف أن زيارة فيرنر للكونغو أتت مُتزامنة مع حملة عسكرية بلجيكية على قبائل الأدغال، إذ كانت الكونغو واقعة تحت الاستعمار البلجيكي. طالت إحدى تلك الحملات أوتا بينجا، واقتادته أسيرًا، قبل أن يشتريه فيرنر بدوره. نُقل أوتا بينجا إلى مَعرض سانت لويز عام 1904، ونال دون غيره، شُهرةً واسعة، إذ كرّس المعرض له باعتباره أقرب حلقة انتقالية بين القرود والإنسان وفقًا لنظرية التطوّر. لذا كان يتم وضعه دائمًا برفقة حيوانات الشمبانزي.

بعد ذلك بعامين، نُقل بينجا مرّة أخرى، هذه المرّة إلى حديقة الحيوان في برونكس بنيويورك. وقد كانت من عادات قبيلته، نحت أسنان الفرد فيها على هيئة مُدببة. هذا الشكل للأسنان، جعل إدارة حديقة برونكس تُروّج لبينجا باعتباره من شعوب بدائية آكلةٍ للحوم البشر. حرفيًّا كان يُعرض بينجا كحيوان. ليس وحده، إنما هو وغيره من البشر الذين اُقتيدوا قسرًا لحدائق الحيوان ليعرضوا بالجوار معها. وُضع بينجا في أقفاص القرود، وكُتبت لافتةٌ مُعلّقة على القفص بمواصفاته، جنبًا إلى جنب مع اللافتات التي تُعرف بالحيوانات.
يكمن تفرّد بينجا عن غيره ممن كانوا يُعرضون في حدائق الحيوان البشرية، أنّه ألّب الرأي العام. ليس هو بنفسه، ففي النهاية لم يكن قادرًا على الخروج من قفصه. ولكنّ الصحافة الأمريكية اهتمّت به على وجه الخصوص بعد أن ذاع صيته، وبدأ الزوّار يتوافدون أفواجًا على الحديقة لرؤيته. وقد كان تعامل الزوّار الفجّ معه، من حيث ضربه بالعصا أو إلقائه بالحجارة، دافعًا لانتقاد الصحافة لاستمرار حال بينجا على ما هو عليه. على سبيل المثال، نشرت النيويورك تايمز بتاريخ 10 سبتمبر 1906 مقالًا ينتقد الوضع "المأساوي" لبينجا. قالت الجريدة في إحدى فقرات مقالها: "في الوقت الذي نُرسل فيه مُبشّرين لإفريقيا لنشر المسيحية، نأتي ببعض سُكّانها لنُمارس العُنف ضدّهم" بتصرف عن ساسبوست.













