بدأ الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الأخيرة من 2009 في التعافي من أسوأ موجة ركود يتعرض لها منذ الحرب العالمية الثانية. بيد أنه مع الخروج من دائرة الركود، تشهد خريطة الاقتصاد العالمي تحولات حادة، حيث تتقدم الاقتصادات الصاعدة لتقود قاطرة النمو، على حساب الدول المتقدمة، وهو الاتجاه الذي يتوقع أن يصبح أكثر قوة خلال العام الجديد.
فالقوى الصناعية الكبرى، مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، بدأت العام الحالي بركود اقتصادي كبير، لكنها نجحت في الخروج التدريجي منه خلال النصف الثاني من العام. ورغم ذلك، تعاني تلك الدول من معدلات بطالة قياسية. في الوقت نفسه، لا تزال دول صناعية أخرى، مثل بريطانيا وأسبانيا قابعة داخل دائرة الركود. وظهرت بالفعل مؤشرات على تداعيات ارتفاع البطالة على الإنفاق الاستهلاكي الخاص، مما يعني تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.
وقد شهدت الأشهر الأخيرة ارتفاعا كبيرا في أسواق الأسهم العالمية، لكن المخاوف من هشاشة التعافي الاقتصادي تلقي بظلال كثيفة على المستثمرين في هذه الأسواق. ويحمل العام الجديد تحديات كبيرة للعاملين في حقل الاقتصاد، سواء بالنسبة الى الحكومة أو القطاع الخاص، فعلى قادة دول العالم اتخاذ قرار بشأن سحب برامج الإنفاق الحكومي الضخمة التي تقررت العام الحالي للحد من تداعيات الأزمة، التي أدت إلى عجز كبير في ميزانيات تلك الدول. كما أن الكثير من الشركات ما زال يعتمد في ازدهار نشاطها على برامج الإنفاق الحكومي، وستواجه ضرورة التخلي عن المساعدات الضخمة التي حصلت عليها من الحكومات خلال 2009، التي شكلت حوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي للعالم خلال العام.
السحب السريع ومضاره
ويقتضي التحرك المتوازن من الحكومات الانتظار فترة طويلة حتى تتيح لتعافي القطاع الخاص سد الفجوة القائمة حاليا في الاقتصاد قبل سحب برامجها الإنفاقية، حيث إن السحب السريع لتلك البرامج يمكن أن يؤدي إلى ثغرات خطيرة تهدد بعودة الأزمة بأقوى مما كانت عليه. وستتولى مجموعة العشرين لكبرى الاقتصادات العالمية مراقبة السياسات الحكومية في مجال التحفيز الاقتصادي لضمان حدوث تعاف سليم ومنع حدوث أزمات خطيرة.
وسيلعب صندوق النقد الدولي دور المرجعية في هذا الصدد. وفي آخر تقرير له عن حالة الاقتصاد العالمي، توقع الصندوق نمو اقتصادات الدول المتقدمة بنسبة 3،1% خلال عام 2010 بعد انكماشها بمعدل 4،3% خلال العام الحالي. في المقابل، تقدم الاقتصادات الصاعدة الرئيسية، مثل الصين والهند، الجزء الأكبر من نسبة نمو الاقتصاد العالمي، حيث من المتوقع نمو الاقتصادات الصاعدة بشكل عام بنسبة 1،5% العام المقبل، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع نمو اقتصاد الصين في 2010 بنسبة 9% والهند بأكثر من 6%.
يقول راينر جونترمان، كبير خبراء الاقتصاد الأوروبي، في مجموعة كوميرتس بنك المصرفية الألمانية العملاقة: "هناك إجماع على أن الاقتصادات الصاعدة ستلعب دورا مهما ومتناميا في الاقتصاد العالمي". وأضاف "ستنمو (العام المقبل) بصورة أقوى من الدول الصناعية، ولكن هناك خطر التعثر"، ففي الصين هناك خطر النمو الزائد عن الحد للاقتصاد نتيجة التوسع السريع في الإقراض داخل السوق المحلي. وفي حين تمتلك الهند قدرات اقتصادية كبيرة، يقول جونترمان إنها تواجه مخاطر إقليمية كبيرة ترتبط بباكستان وأفغانستان.
ضرورة زيادة الطلب المحلي
وجاء ظهور مجموعة العشرين، باعتبارها المنتدى العالمي الرئيسي لمناقشة القضايا الاقتصادية وبديلا لمجموعة الثماني للدول الصناعية الكبرى، إشارة واضحة على أن اقتصادات صاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل، صارت تلعب دورا سياسيا متناميا. بيد أن هناك حاجة لتحول أكبر، وأكثر صعوبة، ففي ظل اتجاه المستهلكين الأميركيين إلى الادخار، توجه الولايات المتحدة رسالة إلى الآخرين مفادها انها لم تعد القوة الوحيدة القادرة على قيادة نمو الاقتصاد العالمي. في الوقت نفسه، يتعين على دول آسيا الصاعدة إيجاد السبل الكفيلة لزيادة الطلب المحلي، وسيلة لنمو اقتصاداتها، بدلا من الاعتماد على التصدير. كما تواجه الصادرات اليابانية خطر تداعيات ارتفاع قيمة الين أمام العملات الرئيسية الأخرى في العالم، مما يمثل عقبة كبيرة في طريق تعافي ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فقد ارتفع الين في نوفمبر الى اعلى مستوياته أمام الدولار خلال 14 شهرا.
مشكلة الصادرات الأوروبية.. والمحاذير الأميركية
وتواجه الصادرات الاوروبية المشكلة نفسها، حيث ارتفعت قيمة اليورو بنسبة 20% أمام الدولار خلال الأشهر الاولى من العام. ويتعرض الساسة في الدول الغنية لضغوط متجددة من أجل وضع حد لفقدان الملايين من الوظائف. في الحقيقة، يعني عمق الركود أن معدلات البطالة في الدول الغنية ستتواصل خلال 2010. وفي الولايات المتحدة، يدرس الرئيس أوباما وأعضاء الكونغرس إمكان ضخ المزيد من الأموال العامة في سوق التوظيف المتعثر، خاصة أن تكاليف خطة إنقاذ القطاع المصرفي جاءت أقل من التوقعات. وقال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) بن برنانكي اخيرا إن التعافي الطفيف الذي تشهده البلاد ليس مستقرا، وحذر من أن ارتفاع معدل البطالة سيظل لبعض الوقت.
وقال بن برنانكي في كلمة أمام النادي الاقتصادي في واشنطن "رغم أننا بدأنا نرى بعض التحسن، فلا يزال أمامنا طريق طويل قبل تأكيد أن التعافي صار قادرا على ان يستمر ذاتيا".
كان الاقتصاد الأميركي حقق خلال الربع الثالث من العام الحالي نموا بمعدل 8،2%، مما يفتح الباب أمام إنهاء الركود الكارثي الذي صاحب أكبر اقتصاد في العالم منذ ديسمبر 2007. واعتمد هذا النمو بدرجة كبيرة على الإنفاق العام الضخم. وتراجع معدل البطالة في الولايات المتحدة، بشكل مفاجئ، خلال نوفمبر الماضي إلى 10%، مقابل 2،10% في اكتوبر، ورغم ذلك فما زال معدل البطالة في اعلى مستوياته منذ 26 عاما. وقال بن برنانكي إنه يبدو أن التحسن في الإنفاق الاستهلاكي اعتمد بشكل أساسي على برامج التحفيز الحكومية، مضيفا انه يتوقع نموا طفيفا خلال العام المقبل وسيكون كافيا لخفض معدل البطالة، ولكن بوتيرة بطيئة.